home-icon
وداع عام واستقبال عام آخر

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، أحمده سبحانه جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

عباد الله! ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾
[آل عمران: 102]، واعتبروا بما ترون وتسمعون، ولا تكونوا عما مر بكم من العبر غافلين.

أيها المسلمون! بالأمس ودعنا عامًا انصرم بما فيه، وحمل في صحائفه ما أودعناه فيه، فالسعيد من سطر في بياض صفحاته أعمالًا صالحة، ونيات خالصة، ولم يسوده بالسيئات والآثام وارتكاب المنكرات والإجرام، والشقي من كانت صحائفه سوداء مظلمة وبالمعاصي مدلهمة لم يعرف معروفًا، ولم ينكر منكرًا، فهو ساهٍ غافل، لم يتعظ بموعظة ولم يتذكر بعبرة.

كما نستقبل عامًا جديدًا، مطلعه هذا اليوم ، نسأل الله أن يجعلنا فيه من العاملين المخلصين، التائبين النادمين، إنه سميع قريب مجيب.

أيها المسلمون! هكذا سنة الله تعالى لكل شيء بداية ونهاية، ساعة تبدأ وتنقضي، ويوم يبدأ وينتهي، وشهر يمر وسنة تعبر، والعمر محدود والأجل مضروب، وكل آتٍ قريب، وهكذا مولود يولد، وحي يموت، وبيت يشيد، وزرع يخضر وييبس، وماء يجف ، كم من مولود ولد في العام المنصرم؟ وكم حي فارق الحياة؟ وكم صحيح مرض؟ وكم مريض شفي؟ وكم من فقير اغتنى، وغني افتقر؟ لا تستمر الدنيا على حال ولا تستقر على منوال، ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع وتغرب، ففي طلوعها ثم غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما هي طلوع ثم غروب، ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عامًا بعد عام وأنتم تودعون عامًا شهيدًا عليكم، وتستقبلون عامًا جديدًا مقبلًا إليكم، فبماذا ودعتم العام الماضي، وبم تستقبلون العام الجديد؟

أيها المسلمون! لو وقف كل واحد يتفكر ماذا جرى في هذا العام المنصرم، كم فيه من أحداث تهز الفؤاد والمشاعر، وحروب تحيّر الأذهان والخواطر، أحداث عظام ومواقف جسام، انقلبت فيها الموازين، وتغيرت فيها النظرات، لعل في ذلك عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين، أمور عظيمة وفتن متلاحقة تدع الحليم حيرانًا، دولة تلتهم أخرى، تقتل أهلها وتشرد نساءها وأطفالها، وتنتهك أعراضها، وتنتهب أموالها، وتخرّب ديارها، وتعثوا فسادًا في أرضها، وتخرج بعد حرب طاحنة ذليلة صاغرة، احتارت في النظر إليها العقول، وحارت في أحداثها الألباب، وسبحان مصرف الأحوال ومقلب القلوب.

كم في هذا الحدث من عبرة، وكم لله تعالى فيه على عباده من منة تحتاج إلى وقفات مع النفس بالتأمل في حكمة الله تعالى ولطفه، ومن ثم بالرجوع إليه، وكم أسدى عليهم من نعمة، ظهرت في هذه الأحداث قدرة البارئ عز وجل، وأنه المتصرف في الكون، دعوات حارّة انطلقت من الشيوخ الركع، ومن الأطفال الرضع ومن القلوب المؤمنة، فهدأ الخوف والروع واستمر الأمن والرخاء، ولكن هل نشكر هذه النعم المتوالية، والآلاء العظيمة من خالق هذا الكون، هل نشكره بقلوبنا وأعمالنا قبل ألسنتنا؟ إن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، ويضفي على عباده النعم قبل النقم لينظر أيشكرونه أم يكفرونه ﴿إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

إن تلك الأحداث بعد ما انطوت صفحاتها، هل يجوز لنا أن ننساها؟ نتقلب بنعم الله تعالى فنرتكب معاصيه، ولا نبالي بأوامره ونواهيه، إن هذا للأسف الشديد حال كثير من المسلمين اليوم، كأنه لم يمر عليه أحداث عظيمة بلغت فيها القلوب الحناجر، إن الله تعالى رؤوف رحيم، غفور ودود، شكور حليم، يحب من عباده أن يشكروه ولا يكفروه، ولكن إن كفروا نعمته وارتكبوا معصيته وتعدو حدوده فشديد العقاب، لا يبالي في أي وادٍ هلك الهالكون، ألم تروا إلى قوم نوح وعاد وصالح ولوط، فمنهم من هلك بالغرق، ومنهم بالريح، ومنه من انقلبت عليه دياره، فالله تعالى يغار على حرماته.
أيها المسلمون! ومن الأحداث التي تستدعي الوقوف النظر فيما مرّ في هذا العام وعبر، انقلاب العالم الاشتراكي على نفسه وطرده لهذا المبدأ الخبيث الذي اكتوت بنيرانه كثير من الدول سنين طويلة تلقى مآسيها شعوب عظيمة، والآن ينقلب على هذا المبدأ أهله، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار، ولكن هل يفقه هذا من انخدع بذلك السراب وجرى وراء تلك الشعارات التي يرددها هؤلاء فانتكسوا عليها؟ أليس في هذا عبرة لنا لنتمسك أشد التمسك بديننا ونعض عليه بالنواجذ؟ ونعلم أن أي نظرية غربية أو شرقية ما دامت تخالف هذا الدين فمآلها إلى التخبط والضياع وأهلها إلى الخسارة والهلاك.

إن تلك الشيوعية التي سادت دولًا كثيرة ها هي تنكص على أعقابها خاسرة، لكن المؤسف أننا نجد من أبناء المسلمين من يبرر ذلك النكوص بمبررات مادية بحتة، ولم يعلم أنه لا بقاء إلا لهذا الدين العظيم، ولا سعادة للكون كله إلا بالتمسك بهذا الإسلام الحنيف، ولا أمن ولا رخاء إلا بتنفيذ أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: 3] فهل يرجع أولئك المخدوعون بتلك النظريات الشرقية أو الغربية إلى دينهم ويعلموا أنه هو الملاذ لهم والمنقذ لحيرتهم والمسعد لحياتهم، وبه يسود الأمن والرخاء والطمأنينة والعيش الرغيد في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون! ومما مرّ في هذا العام المنصرم تلك الحروب المدمرة في كثير من أقطار العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، حرب تدمر الأخضر واليابس وتهلك الحرث والنسل، أفلا نجعل منها عبرة وعظة ليسلمنا الله من شرها؟ ومما جرى أيضًا تلك الابتلاءات والعقوبات من الله جل وعلا من فيضانات وحرائق وبرد وحر ورياح وإعصارات وغير ذلك مما يقدره الله سبحانه وتعالى ليتذكر من تذكر.

أيها المسلمون! لنجعل من هذه الأحداث وغيرها عبرة لنا وموعظة لقلوبنا فنعلم أنه لا غنى لنا عن خالقنا، ولا مناص لنا عن التمسك بديننا، ولا عز لنا ولا نصر إلا بالصدق مع ربنا، ولا سعادة ولا فلاح إلا بتنفيذ أوامر مولانا، ولا نجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة إلا باجتناب النواهي والمنكرات، فالله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، ويغار على حرماته ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۞ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۞ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: 45-47].

ويقول سبحانه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ۞ ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ۞ وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ۞ أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ۞ أَوَ أَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ۞ أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [الأعراف: 94-99].

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتعظين، وفي الأحداث من المعتبرين وللصالحات من العاملين، إنه سميع قريب مجيب، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسنة سيد المرسلين، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، حمدًا يليق بجلاله وعظمته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن اقتفى سنته، أما بعد :

أيها المسلمون!

في دخول العالم الجديد طوى الإنسان من عمره عامًا كاملًا، وهكذا تمر الشهور بعد الشهور والأعوام بعد الأعوام، حتى يجيء الأجل، وينتقل الإنسان من هذه الحياة طال عمره أم قصر، فما أقصرها من مدة! وما أقله من عمر! قيل لنوح عليه الصلاة والسلام وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، كيف رأيت هذه الدنيا؟ فقال: كداخل من باب وخارج من آخر، فاتقوا الله وتبصروا في هذه الأيام والليالي فإنها مراحل تقطعوها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم، وكل يوم يمر بكم، فإنه يبعدكم عن الدنيا، ويقربكم من الآخرة.

أيها المسلمون!

لنتذكر بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة، إن السعيد من يقف مع نفسه محاسبًا ماذا أسلفت في عامها الماضي، فإن كان خيرًا ازداد، وإن يكن غير ذلك أقلع وأناب؛ فإنما تمحى السيئة بالحسنة، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».

إن السعيد من يتذكر بانتهاء العام وبداية العام انتهاء الحياة الدنيا وبداية الآخرة، فكل من على هذه الدنيا فانٍ ومنتهٍ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] فالموت هو الطريق الوحيد للآخرة.

ولو جعل الله الخلود لأحد من خلقه لكان ذلك لأنبيائه وأصفيائه، وكان أولاهم بذلك صفوة أصفيائه وخيرته من خلقه سيد ولد آدم محمدًا ﷺ ، ولقد أخبره الله تعالى بأنه سيموت فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر: 31] ولو نجا من الموت أحد لبسطة في جسمه وقوة في بدنه أو وفرة في ماله لنجا من الموت كثير من الناس، إلا أنه لا يخشى أحدًا، ولا يبقي على أحد، ينتزع الطفل من حضن أمه، ويهجم على الشاب الفتى وهو في عز شبابه وقوته، ويأخذ الشيخ الكبير والغني والفقير، ترى الشاب الممتلئ صحة وعافية في لحظة يسيرة قد استحال جثة هامدة لا حراك فيه، فذهب ذلك الشباب، وزالت تلك القوة وتعطلت الحواس، وقد يكون هذا عالمًا متبحرًا أو طبيبًا ماهرًا أو مخترعًا باهرًا أو مسؤولًا كبيرا، ولكن هيهات أن يمنع ذلك قبض الأرواح إذا انقضت الأعمار وحضرت الآجال.

أيها المسلمون! إن السعيد من يتذكر بانقضاء العام يوم الرقاد الطويل في قبور مكانها مغترب، وساكنها مغترب بين أهل موحشين لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الإخوان، قد اقتربوا في المنازل، وتشاغلوا عن التواصل، حتى طحنهم البلى وأكلهم الثرى.

سيأتيك يوم لست فيه بمكرم   بأكـثــر مـــــن حــثــو الــتـراب عـليـكا

إن السلف رضوان الله عليهم جعلوا مضي السنين والأعوام مذكرة لهم، فأثر عنهم بعض الكلمات عند الوفاة يتذكرها المتذكرون، فهذا أبو بكر رضي اللَّهُ عَنْهُ عندما حضرته الوفاة جاءته عائشة ك، فتمثلت بهذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى   إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك ولكن قولي: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].

وروي عن معاذ بن جبل رضي اللَّهُ عَنْهُ أنه لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فأتي فقيل له: لم تصبح، حتى أتي في بعض ذلك فقيل له: فقد أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبًا بالموت زائر مغيب وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لمن أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيه لِكَرْيِ الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

ولما حضرت أبا الدرداء الوفاة قال وهو يجود بنفسه: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه، ثم قبض؟!

أيها المسلمون!

آن الأوان أن يحاسب كل منا نفسه عن فرائض الإسلام وأدائها، وهل قام بها على الوجه المطلوب الذي يرضي الله جل وعلا، يحاسب نفسه فيها كما يحاسب التاجر تجارته والرئيس دولته، يحاسبها عن حقوق المخلوقين والتخلص منها، يحاسب عن الأموال التي جمعها من أين جاءت، وما مصدرها، وكيف ينفقها؟ يحاسبها عن التقصير في عباداتها ومعاملاتها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ويسأله المزيد ومن وجد غير ذلك فليختم عامه بالتوبة النصوح الصادقة الندم على ما عمل وسطر من سيئات وآثام، ويبدأ عامه بالأعمال الصالحة والسلوك المستقيم والنية الخالصة والعزم على عدم العود إلى الذنوب والمعاصي.

فاتقوا الله عباد الله واستدركوا ما فات بالتوبة، واستقبلوا عامكم الجديد بالعمل الصالح، فإن إقامتكم في هذه الدنيا محدودة، وأيامكم معدودة، وأعمالكم مشهودة.

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه محمد بن عبدالله، خير الخلق، وحبيب الحق. كما أمركم الله جل وعلا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.