
الخطبة الأولى
الحمد لله الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي تفرد بأن يعبد ويُحمد، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله الذي نهى عن الشرك وشدَّد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن لله تَعَبَّد، أما بعد:
عباد الله! اتقوا الله، ووحدوه، ووثقوا صلتكم به، واعملوا بالأسباب الموصلة إليه تفوزوا في الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون! التوحيد أصل الأصول، والعروة الوثقى، وأساس الدين، ومنبع الأخلاق والسلوك، وهو الشجرة الثابتة التي تنمو في قلب المؤمن، فيسمو فرعها، ويزداد نموها، ويزدان جمالها، كلما سُقِيَت بماء الطاعة ازداد العبد محبة لربه، وخوفًا منه، ورجاءً له، ويَقْوى توكله عليه، واستعانته به، ولجوؤه إليه، وأنسه به، ويذوق طعمه ولذته، وبهذا يكمل التوحيد، ويقوى في قلب المؤمن.
وإذا حلت الهداية قلبًا نشطت للعبادة الأعضاء
أيها المسلمون! غير أن فئامًا من المسلمين ينتسبون إلى هذا التوحيد، ويأنسون بالانتساب إليه، ويزعمون تمكنه من نفوسهم، وتغلغله في قلوبهم، لكن هذه دعاوى لسانية عند كثير منهم لا دليل عليها، فترى منهم مظاهر غير خفية، ودلالات بينة تدل على ضعف التوحيد في نفوسهم، وعدم تمسكهم به، وبعدهم عنه، وهي متفاوتة بين أناس وآخرين، فمن المظاهر الظاهرة في ذلك: الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها، بل والإصرار عليها، واستمرارها، واسمتراؤها، وعدم القلق من ارتكابها، أو الخوف منها، وأعظم من ذلك المجاهرة بها، جاء في الحديث الصحيح: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملًا بالليل، ثم يصبح، وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، وأصبح يكشف ستر الله عنه». فما أولئك المتخلفون عن صلاة الفجر مع الجماعة، وهم جيران للمسجد، وغير معذورين، أو يرفعون على منازلهم ما يدل على آلات اللهو، ومسخ الفضيلة، ونشر الرذيلة، أو أولئك المتحدثون بمعاصيهم في أسفارهم إلا من هذا الصنف، والعياذ بالله.
ومن مظاهر ضعف التوحيد، التكاسل عن أداء العبادات، والتثاقل في عمل الطاعات، وإن أداها، فحركات جوفاء يفعلها بجسده، وقلبه يتقلب في أمور الدنيا الدنيئة، ومثل هذا، والعياذ بالله، يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلً ﴾ [النساء: 142].
هذا في حال الفرائض، ولو سألت عنه في حال النوافل، فلا تجده سجل في صحيفته شيئًا يذكر.
أيها المسلمون! ومن مظاهر ضعف التوحيد: التعلق بغير الله عَزَّ وَجَلَّ، والركون إلى المخلوقين، والتشفع بهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله، وطلب الحاجات منهم، والمدد منهم، أو الطواف حول أضرحتهم وقبورهم، أو التعلق بالسحرة والمشعوذين والدجاجلة والكذابين، والركون إلى الكهنة والمنجمين، وبذل الأموال الطائلة لهم أو تعلق القلب حال المصائـب والأمراض بالطبيب واعتقاد أن الشفاء بيده، أو الخوف، والهلع من ذهاب رزقه، ورزق أولاده، فأين التوكل على الله، وأين اللجوء إليه، وأين استشعار قربه ومعيته؟ وأين اعتقاد أنه خالق السماوات والأرض، ومدبر الكون، ومقسم الأرزاق، ومبتلي العباد، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍۢ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ۞ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا ﴾ [الطلاق: 2-3]، ويقول سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ۞ ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 4-5].
ومن مظاهر ضعف التوحيد: عدم التأثر بالقرآن العظيم، وما فيه من وعد ووعيد، وزجر وتهديد، وقصص وأخبار، ومما يضعف التوحيد عدم قراءة القرآن إلا في مواسم متباعدة، فلا تطيق نفسه مواصلة قراءته، ويمل سماعه، ولا يتأثر به، وكذا تجده بعيدًا عن ذكر الله غافلًا عن دعائه، لا يحرك قلبه موت الميت، ولا حضور الجنازة، أو شهود دفنها في المقبرة.
ومن مظاهر ضعف التوحيد: التعلق بالدنيا وملذاتها وشهواتها، والنظر بعين الغيرة إلى من أوتي حظًّا كبيرًا منها، واعتبار السعادة في الحصول عليها، والبعد عن الآخرة، وضعف العمل لها، فتجد مثل هذا ممسكًا ماله، حريصًا عليه، لا ينفق في معروف، ولا يعطف على مسكين ولا يرحم يتيمًا، ولا يحسن إلى فقير، يخشى الفقر، ويأمل الغنى، مسرفًا في شهواته، ويتعدى ذلك إلى الكسب المحرم، يجمع ما هو وبال عليه، وما عرف أن الدنيا زائلة، وحظ المؤمن منها ما أكل فأبلى، وما أنفق فأبقى، وما بقي سيحاسب عليه، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ فاثبتوا، عباد الله، وقفوا على الداء، كي تنجحوا في وضع الدواء له قبل أن يندم النادم، ولات ساعة مندم. اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، والباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد:
عباد الله! إن ما سمعناه من مظاهر ضعف التوحيد في النفوس التي ما إن تتمكن فيها إلا ويرد صاحبها المهالك، ويتمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحًا، ولكن هيهات! فقد فات وقت التكليف، وجاء أوان الجزاء، فإمَّا إلى جنة، وإمَّا إلى نار.
أيها المسلمون! من الخير للمسلم أن يتعرف على أسباب ضعف التوحيد ليتوقاها، ويحذر الوقوع فيها، ومن أهمها: عدم استشعار مراقبة الله تعالى، فإذا أخل المسلم بذلك، ونسي، أو تناسى، أو غفل، أو تغافل عن محاسبة الله إياه، وأن كل شيء مسطر عليه في صحائف أعماله، تَلَهَّى في الدنيا، وتعلق بها، ونسي الله، فنسيه،وصار يهيم في الطرقات المعوجة، ويتخبط في المسالك الوعرة.
ومن أسباب ضعف التوحيد: أكل الحرام، والتعامل به، وجلب الأموال بالطرق الخبيثة، في المصارف المحرمة، ومن تعامل بذلك ضعفت علاقته بالله عَزَّ وَجَلَّ، فلم يقبل له دعاء، ولم يرفع له عمل، ووكل إلى نفسه، ومن وكل إليها، وكل إلى ضعف وخور، جاء في الحديث الصحيح: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا حتى ذكر الرجل يطيل السفر…» الحديث.
ومن أسباب ضعف التوحيد عدم المبالاة بالأعمال الصالحة والانشغال بالدنيا وجعلها هي الهم الأكبر، ومنها الانشغال بالملهيات وبخاصة في هذه الأوقات التي كثرت فهيا الفتن وتنوعت.
أيها المسلمون! إن هذه الحياة ميدان العمل، وخير العمل ما قوي به التوحيد، وتمكن في القلب، وعالج ما يطرأ عليه، ومن أهم ما يذكر في ذلك استشعار عظمة الله عَزَّ وَجَلَّ، ومعرفة أسمائه وصفاته، والتدبر فيها، وعقل معانيها، واستقرار هذا الشعور في القلب، وسريانه إلى الجوارح؛ لتنطلق عن طريق العمل بما وعاه القلب، فإذا تمكن هذا الشعور قاده إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم، وهداه إلى معرفة الرب الرحيم، فيعمل بما يرضي الجليل الكريم.
ومما يزيد في التوحيد، ويمكنه في النفوس، العمل بالفرائض، فما تقرب عبد إلى الله بأحب مما افترض عليه. كما ثبت في الحديث الصحيح.
ثم بما استطاع عمله بالنوافل المتعددة المتنوعة، لما جاء في الحديث القدسي الشريف الصحيح: «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته…» الحديث، وما يذكر في النوافل، ويزيد في الإيمان والتوحيد، ويمكنه في النفوس: – قراءة كتاب الله تعالى، وتدبره، والتأمل في وعده ووعيده، وقصصه وأخباره، وحلاله وحرامه، وكذا المحافظة على الأذكار الشرعية الموثقة المرتبطة بحال أو مكان أو زمان، كأذكار الصباح والمساء وغيرها. ومما يذكر في النوافل أيضًا أن يخصص المؤمن عبادة سرية بينه وبين ربه لا يطلع عليها إلا الله تعالى، كأن يخصص صلاة في الليل، أو صدقة شهرية، أو أسبوعية، وغيرها من أفعال الخير، وأعمال البر، فهذا أخلص في النية، وما كان كذلك كان أكثر قربًا إلى الله تعالى.
فاتقوا الله عباد الله، هذا وصلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في القرآن الكريم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56].

شكر الله على نزول الأمطار
الخطبة الأولى الحمد لله الذي وعد الشاكرين بالمزيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أحمده سبحانه وأشكره، وهو الولي الحميد...

قصة أصحاب الجنتين
الخطبة الأولى الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل...

الفرح في الإسلام
الخطبة الأولى الحمد لله الذي أحل لنا الحلال، وحرم الحرام، وأعد جناته لمن أطاعه واستقام، وأشهد ألا إله إلا الله...

أصحاب الكهف
الخطبة الأولى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجًا، وجعل لنا من كل هَمٍّ فرجًا، ومن...

فتح مكة
الخطبة الأولى الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل...