home-icon
خطبة بمناسبة العام الدراسي الجديد

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أهل الفضل والنعم والكرم، أحمده سبحانه، وأشكره على ما أسدانا من المنن والنعم، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله أفضل من ربى وعلم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل العلم والشيم والتابعين ومن تبعهم اقتفى أثرهم وسار على المنهج الأقوم، أما بعد:

عباد الله! اتقوا الله ويعلمكم الله.. اتقوه تفوزوا بجنته ورضاه.

أيها المسلمون! فإن لكل حادث حديثًا ، ولكل مقام مقالًا، ففي صباح الغد نستفتح عامًا دراسيًا جديدًا، بعد أن فرغ الطلاب والطالبات والمعلمون والمعلمات من إجازة دراسية استمتعوا فيها بأنواع من المناشط كل حسب ما يسر الله له.

أيها المسلمون! الحديث عن العلم والعلماء، والدراسة والتدريس، والطلب والتحصيل، حيث تحبه النفوس المؤمنة، وترغبه الأنفس الطموحة، وتهواه العقول الذكية؛ لأن ديننا الإسلامي العظيم دين العمل والمعرفة، دين النظر والتفكر، ودين البحث والإنتاج، بل إن ما تريد مبني على العلم، العلم بالله تعالى وبدينه، والعلم بأمره ونهيه، فلا يعبد الله على بصيرة إلا بالعلم، وتستقيم الأمة على المنهاج الصحيح إلا بالعلم، ولا تعصم الأمة إلا بالعلم، ولا تصل إلى غاياتها إلا بالعلم، ومن هنا كان للعلم مكانة لا يوازيها شيء، قال علي بن أبي طالب رضي اللَّهُ عَنْهُ : كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه.

العلم- أيها المسلمون- سبب لرفعة الفرد والأمة في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ ﴾ [المجادلة: 11]، والعلم طريق موصل إلى الجنة، والعلم ميراث الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر ﷺ، والمعلم والمتعلم صاحبا نور ومرضاة في الدنيا والآخرة، فقد دعا لهما رسول الله ﷺ بقوله: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع».

والعلم حياة القلوب، ونور البصائر وشفاء الصدور، ورياض العقول ولذة الأرواح، وأنس المتوحشين، ودليل الحائرين، وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأصول، وهو الهادي إلى الهدى والرشد، والمنقذ من الهلاك والضلال، وهو الصاحب في الغربة، والكاشف عن الشبهة، مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل الصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب.

أيها المسلمون! لذلك عظمت مكانة العلم والعلماء، ورفعت أقدارهم في الدنيا والآخرة، وجعل لهم من الحقوق أكثر من غيرهم، ومن الاحترام والتقدير والإجلال والصدور عن رأيهم وفتاواهم وعدم خدش أعراضهم أو النقيص منهم، وإن الأمة إذا سلكت هذا المسلك عصمت من الانحراف، وأمنت من الفتن، واستقرت سفينتها في ساحل النجاة.

أيها المسلمون! يقال هذا عن العلم والعلماء، ونحن نستأنف في الغد عامًا علميًا يزيد في المتعلمين والمعلمين النشاط الفكري والعلمي، وتستقبل منه البيوت نوعًا من الحياة يتطلب منهم حرصًا واحدًا واجتهادًا، وترتيبًا وتهيئة لأولادهم، من أجل النهوض بهم والرقي بمستواهم.

أيها المربون والمعلمون والموجهون، ويا أيها الإداريون من التربويين، ويا أيها المتعلمون والدارسون، ويا أيها الأولياء هاكم رسائل سريعة بهذه المناسبة ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

علينا جميعًا أن نحمد الله تعالى ونشكره على أن يسر لنا سبل العلم والتعليم والتحصيل والمعرفة بأيسر الطرق وأسهل السبل في هذه البلاد المباركة، فكم حرمت كثير من البلاد ما نحن فيه من نعمة العلم والمعرفة فله الحمد والشكر، ثم لولاتنا أن يجزيهم الله أحسن الجزاء ، ثم لنعرف للوقت قدره، وللزمن قيمته ليقوم كل فرد بالمسؤولية التي على عاتقه، والأولى لمن أسهم أن يسهم في نشر العلم والمعرفة تربويًا ومسؤولية وأموالًا تجاه القيام بعملية التربية والتعليم على الوجه الأكمل والأفضل.

فيا أيها الإداريون والموجهون، ويا من ولاهم الله مسؤولية الإدارة والتوجيه قوموا بهذه المسؤولية، وانهضوا بمؤسساتكم التعليمية، وتابعوا الإشراف والتوجيه، فأنتم مسؤولون أمام الله، فهو سائلكم عما استرعاكم عليه «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» واجعلوا الإخلاص والدقة والعدل رائدكم في تنفيذ أعمالكم، وجدوا واجتهدوا، والله يرعاكم.

ويا أيها المعلمون، ويا ورثة الأنبياء! ويا من فضلتم بالعلم والتعليم، اعلموا أن مهمتكم جليلة وعظيمة، ومسؤوليتكم ضخمة وكبيرة، فالمعلم يقوم بمهمة خير البرية محمد ﷺ، فهو معلم وداع إلى الله، ومرشد إلى الخير، ومنقذ من الضلالة، ومرب لأبناء المسلمين، وقدوة لهم في الخير. ليكن الإخلاص – وأنعم بهذه المهمة الجليلة- والجد رائدك، والحرص والتواضع والمثابرة من صفاتك. وعلى الوسائل المعينة على إيصال ما لديك من العلم من الإلمام بالمادة العلمية والفهم الكامل لها ومتابعة ما يجد فيها، مؤمنًا برسالتك العلمية، مقتنعًا بعملك، مراقبًا الله تعالى في أداء وظيفتك في السر والعلن، قائمًا بالأمانة الموكلة إليك خير قيام، مشعرًا نفسك بأنك قدوة لطلابك وأبنائكم ، فكن قدوة في الخير، كتب مالك إلى الرشيد م: إذا علمت علمًا، فليُرَ عليك علمه وسكينته وسمته ووقاره وحلمه.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله ﷺ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أكرمنا بطاعته والسعي إلى مرضاته، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه، أما بعد:

أيها الآباء والأولياء: إن مهمة التعليم ليست قاصرة على المتعلم فحسب، فالمعلم هو الوسيلة لإيصال هذا العلم، ويحتاج إلى من يساعده ويشد على عضده؛ ليقوم بمهنته الجليلة.

والولي هو المساعد الأكبر للمعلم، وذلك بمراجعته للمدرسة، والتعرف على المعلمين، والمتابعة في البيت، والرعاية التامة، والقيام بالمسؤولية التي حملك الله إياها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6] وقال ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فلا يجوز للأب والولي ترك الابن بدون متابعة ورعاية، وما المدرسة إلا محضن من المحاضن، لكنك أنت المسؤول الأول، ولا يكن همك النجاح آخر العام بل اجعل همك صلاحه وتحصيله وسلوكه.

أيها الطلاب والأبناء! إنما سمعتموه من عظم المسؤولية على الإدارة والمعلمين والأولياء يعطيكم دليلًا قاطعًا على عظم ما أنتم فيه، وشرف الطريق الذي سلكتموه طريق العلم والمعرفة، فجدُّوا واجتهدوا من أول يوم تطأ فيه أقدامكم مدارسكم، وحافظوا على أوقاتكم، قال الشافعي ينصح طلابه: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من العلم والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية في إدراكه، والرغبة إلى الله في العون عليه.

وجردوا نيتكم في حمل هذا العلم والاستكثار منه، وصادقوا الجادين والمجتهدين، وابتعدوا عن المتكاسلين المتخاذلين المضيعين لأوقاتكم، واحترموا علماءكم وأساتذتكم ومعلميكم، فلا ينال العلم بدون احترام وتواضع للمعلم. واستغلوا الإمكانات التي سخرها الله لكم ما لم يسخرها لغيركم في بلاد كثيرة من العالم، واشكروا الله على ذلك.

أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام الدراسي عامًا علميًّا خيرًا يعود على الجميع بالجد والنجاح والتحصيل، وأن يسلم أبناءنا وأبناءكم من كل سوء ومكروه، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وصلوا وسلموا على البشير النذير كما أمركم الله جل وعلا في كتابه العظيم فقال جل من قائل ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.