home-icon
المواقفُ أثناء الفتن

الخطبة الأولى

الحمد لله المبدىء المعيد، ذي العرش المجيد، الملكُ ملكه، والخلق خلقه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأسأله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أقام أعلام الملة، وأشاد أركان التوحيد، منصور برب العزة فحاز المجد التليد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل العلم والتقى والمنهج السديد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعث سائر العبيد، أما بعد:

عباد الله! اتقوا الله ربكم، فبتقواه عدة يوم المعاد، وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم محمد ﷺ فالتمسك به من أعظم الجهاد، والزموهما كلما تكاثرت الأهواء وتشعبت السبل واستشرى الفساد.

أيها المسلمون!

مع تقادم الزمان، ومسير الليالي والأيام، وتعاقب الشهور، وقرب الساعة تتوالى على الأمة الفتن المروعة، والأحداث الموجعة، فتن كقطع الليل المظلم، تدع الحليم حيرانًا، والعاقل مترددًا، فتن يعم شرها الصالح والطالح، القريب والبعيد.

هذه الفتن- عباد الله- شرها عظيم، وخطرها جسيم، تحرق الدين وتمزق الكلمة، وتغيّر النعم، وتعجل بالنقم، تسبب العداوة والبغضاء، وتكثر فيها الآراء والأهواء، تفضي إلى التقاطع والتدابر، وتخلف الهجران والتنافر، يرفع الشيطان رأسه ويشعلها، وبأساليبه الماكرة يذكيها، وبخدعات متنوعة يضرمها ويعليها، الفتن: تأكل الأخضر واليابس، وتؤخر النمو في البلاد، وتؤجله السنين العداد.

في الفتن: يطمع الأعداء بأهل الإسلام، ويكيدون المكائد، ويخططون الخطط ويدبرون المفاسد، وفي الفتن: يرفع المنافقون عقائرهم ليظهروا بمظاهر المصلحين، الباكين على أمة الإسلام، المتباكين على البلاد والعباد، والفتن فرصتهم لإظهار أحقادهم على الدين وأهله، وبث أفكارهم بين الناس، ونشرها بين الخاص والعام، حتى ينخدع بهم أولو القلوب المريضة، فيصفون في مصافهم منطوية عليهم أحقادهم ومكرهم.

الفتن: تظهر الفقاقيع المستترة، والأظفار الحادة لتخدش المبادئ والأصول والثوابت، في الفتن: يشوب الرؤية السليمة غبش وعمش، فلا يبصر حقيقتها إلا المتأمل، ذو العقل السليم، والعلم المكين، والدين القويم.

أيها المسلمون! ومهما قيل عن أضرار الفتن، ومفاسدها العظيمة وأخطارها الجسيمة فلن يبلغها وصف واصف، ولا قلم كاتب لعظمها وكبرها وانتشارها وضخامتها وجسامة آثارها، ولهذا- عباد الله- فقد وضع لنا الشرع الحنيف وديننا القويم منهجًا واضح المعالم، بيّن الأسس والدلائل، منهجًا نتعامل فيه مع الفتن- وقانا الله شرها-.

أيها المسلمون! ولقد مرّ على أمة الإسلام على مدار التاريخ فتن عظيمة لكنهم تعاملوا معها بذلك المنهج السديد، المنزل من قبل الله الحميد، فأنجاهم منها ووقاهم شرّها، ومن أعظم ما مرّ في تاريخ أمة الإسلام وفاة رسول الله ﷺ حتى إن بعض كبار الصحابة لم يصدق بما حدث، رغم أنهم يقرؤون ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ويقرؤون: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ ﴾ [آل عمران: 185]، لكن الحدث عظيم أنسى كل ذي لب لبه، ومع هذا فقد هيأ الله سبحانه وتعالى أهل العلم والعقل منهم بقيادة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي اللَّهُ عَنْهُ الذي ثبَّت الله به الأمة، ليأخذ بالزمام ويواجه الحدث بما يجب أن يكون مقارعًا عاطفته الشديدة تجاه فقده لحبيبه وخليله، ولكن الله تعالى سخّره ليأخذ بالأمة إلى ساحل النجاة، ويعصمها من شر هذه الفتنة التي قد تكون نتائجها أخطر وأعظم مما يتصور المتحدث والمرجف وذو العقل الضعيف والعلم القليل.

ويواجه أبو بكر رضي اللَّهُ عَنْهُ الفتنة التي تليها، وهي ارتداد كثير من العرب عن دين الإسلام نتيجة تأثرهم بالفتنة الأولى، فيسخره الله تعالى ليقف الموقف الحاسم الذي لا هوادة فيه، فيقول كلمته المشهورة: والله لو منعوني عناقًا أو قال: عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها.

ولكن أعداء الإسلام لم يرقْ لهم اتحاد الأمة على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ن، فاندسَّ المنافقون ومن والاهم من اليهود فحرصوا على تفريق الكلمة متباكين على وضع الأمة في عهد عثمان، وكان خلف الأسوار يخطط ويدبر عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل الذي تظاهر بحب آل البيت، فبدأ الفتنة العظيمة، وبدأ انتشار أفكار الخوارج وغيرهم من الفرق الضالة، وقتل من جراء تلك الفتنة العظيمة التي جرت فيها دماء أظهر الخلق، وهم صحابة رسول الله ﷺ، حتى توحدت الأمة عام الجماعة على معاوية رضي اللَّهُ عَنْهُ ، وهكذا استمرت الفتن، لكن يقيض الله تعالى للأمة من علمائها وعقلائها وقادتها من ينقذها ويسلمها من تلك الفتن.

أيها المسلمون!

وفي العصر الحاضر والقريب جرت فتن عظيمة، ومن آخرها تلك الفتنة الكبرى التي هزت العالم من شرقه وغربه، لأنها وقعت في وسط دولة كبرى تظن نفسها أنها المهيمنة على العالم، والقوة التي لا تغلب.

في هذه الفتنة عشيتْ أبصار، وعميتْ بصائر، واحتارت عقول، وتحيـرت قلوب، تسارعت الأقلام من هنا هناك مجللة تارة، وواصفة أخرى، مصوبة أمرًا، ومخطئة آخر، كثرت الأحكام عليها وتعارضت، وتباينت المواقف، لا أقول مواقف الكفار، ولكن مواقف أبناء الإسلام الذي انتشرت أقوالهم وكتاباتهم على صفحات الصحف والمجلات، ووسائل الاتصال الحديثة، وتحدثت ألسنتهم عبر الخطب والمحاضرات والفضائيات، والعجب كل العجب من أولئك الذين تسارعت أيديهم إلى أخذ أقلامهم للكتابة والتحليل مخطئين ومصوبين، فظهرت بوادر حقد على الإسلام والمسلمين، وفي المقابل بوادر تفسيق وتكفير، ولو طلب من أحدهم فتوى في مسألة فرعية في الدين لأبدى الورع وقلة العلم، لكن هنا عصفت به الفتنة ليحلل ويفتي في هذه المعضلة الكبرى، والفتنة العمياء، والعجب لا ينتهي من أولئك المتعالين، أو قل: إن بعضهم من الحاقدين الذين جعلوا أنفسهم حكامًا على الأئمة والعلماء، يكفرون هذا، ويفسقون ذاك، ويجهلون وآخرون يتهمون الرابع، فوضعوا أنفسهم موقِّعين عن رب العالمين، ففتحوا الفرصة للمنافقين، ليخدشوا أعراض العلماء، ويظهروا أحكامًا في الدين، ألا إن الفتنة عمياء تعمي الأبصار والبصائر.

فاتقوا الله عباد الله، وتبصروا في أمركم، وانظروا في العواقب والنتائج، وتمسكوا بالمعالم السنية والآداب المرعية الواجب اتخاذها في مثل هذه الأحداث.

أسأل الله تعالى أن يعصمنا من الفتن في الاعتقاد والقول والعمل ما ظهر منها وما بطن، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله دل على الحق ورفعه، ونهى عن الباطل ودفعه، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلى شأن الحق، والباطل قمعه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، حاز من الفضل والشرف أكمله وأجمعه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن اقتفى أثره واتبعه، أما بعد:

أيها المسلمون! لقد حذر المصطفى ﷺ من الفتن أيًّا كانت، فتنًا فردية خاصة، أو فتنًا عامة للأمة، قال عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا» رواه مسلم.

وروى الشيخان عنه ﷺ أنه قال: «يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل القتل». وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف له تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو مَعاذًا فليعُذْ به».

وروى الإمام مسلم عن حذيفة رضي اللَّهُ عَنْهُ مرفوعًا: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأي قلب أَنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاءُ حتى تصير على قلبين مثل الصَّفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السماواتُ والأرضَ، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكُوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر مُنكَرًا إلا ما أُشرب من هواه».

ومثل ذلك حذرنا الله سبحانه وتعالى من الفتنة العامة التي لا تأخذ الأشرار فقط بل تعم الأخيار والأشرار، قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

أيها المسلمون! المسلم العاقل، والمجتمع المسلم هو الذي يبحث عن المخرج السليم من الفتن وعن العواصم من القواصم، والنجاة منها بدون أن يتأثر بها سلبيًّا، ولطريق النجاة معالم ، فما على المسلم إلا أن يتبصرها ويعلمها، فأول هذه المعالم والعواصم: الرفق والتأني والحلم وعدم النظر باستعجال، وهذه صفات محمودة في كل حال، فما بالك حال اشتداد الأحوال، وتأزم الظروف، واختلاط الأقوال والأفعال، والصواب والخطأ، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه». وجاء في الصحيح أيضًا: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». وقال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». وفي صحيح مسلم أن المستورد القرشي وكان عنده عمرو بن العاص رضي اللَّهُ عَنْهُ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» قال عمرو للمستورد: أبصرْ ما تقول، قال: وما لي لا أقول ما قاله رسول الله ﷺ، قال: إن كان كذلك، فلأن في الروم خصالًا أربعًا الأولى: أنهم أحلم الناس عند الفتنة، والثانية: أنهم أسرع الناس إناخة بعد مصيبة، وذكر بقية الخصال ، فوضح أنهم: إذا ظهر تغير الحال، وظهرت الفتن فإنهم يحلمون ولا يعجلون ولا يغضبون ليقوا أصحابهم القتل والفتن.

في الحلم عدم تأسف على ما استعجل فيه من الكتابة والكلام والأحكام، وفي التأني فرصة للتأمل والنظر، وفي الأناة سلامة من الفتن، فما بال أقوام استعجلوا وتكلموا وجرحوا وفسقوا وكفروا وخطأوا وحكموا وصوبوا، أليس هذا استعجالًا مذمومًافي التحدث والمواقف من الفتن، فما لهؤلاء القوم لا يتبينون؟

ونكمل بقية المعالم ونوضحها في الخطبة القادمة إن شاء الله، عصمني الله وإياكم من الزلل ووقانا شر الفتن وآثار المحن. وصلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله سبحانه في محكم التنزيل فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.