home-icon
التأمل في الكون والشتاء

الخطبة الأولى

الحمد لله، بسط الأرض لمعيشة عباده ودحاها، وأخرج لهم منها ماءها ومرعاها ورفع السماء بغير عمد وشد عراها، وحث على التأمل والنظر فيها فقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ [ق: 6].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، وصلي وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على منهجهم وآثارهم واقتفاها.
أما بعد: عباد الله اتقوا الله حق التقوى، واشكروه على ما أولاكم به من النعم التي لا تحصى، وأعدوا العدة للدار الأخرى.

أيها المسلمون! إن المتأمل في خلق الله، سبحانه وتعالى، لهذه الحياة الدنيا وما فيها من عجائب الكون ومخلوقاته يعلم يقينًا أن هذا الكون العامر، المليء بالآيات الكونية يحتاج إلى وقفات وتأملات، يقف فيها المسلم معه متأملًا ومتفكرًا، ومعتبرًا ومتذكرًا، يتذكر فيها عظم هذه المخلوقات واتساعها، وتعددها وكبر حجمها، وتقلبها ودورانها وسيرها.

هذا الكون الفسيح الذي يحير العقول الراشدة، والأفهام الحليمة بما أودع الله فيها، حري أن يجعل المسلم لنفسه لحظات تدبر وتأمل ليرى عظمة خالقه ومدبره ومسيره، كيف لا، وعظم الصنعة تدل على عظيم صانعها؟!!

إن الإنسان ليقف أمام مخترعات الإنسان المستجدة متعجبًا من تلك القدرات والإمكانات التي أوصلت البشر إلى هذا المستوى، فكيف بمن أقدر هذا البشر على التمكن من استغلال جزيئات يسيرة في هذا الكون الفسيح العامر الذي لا يحيط به عقل عاقل؟!

ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى التأمل والتفكر في الكون وما يحويه من عجائب ومخلوقات عبادة يتقرب بها العبد لربه، سبحانه وتعالى، فيها الدرجات المضاعفة، والأجر والثواب وتكفير الخطايا والسيئات، فيها الدلالات على الخالق سبحانه الواحد الأحد القائل للشيء ﴿كُن فَيَكُونُ ﴾ [الأنعام: 73]، فيها تصور قدرة المولى سبحانه وأنه المستحق المتفرد بالألوهية والعبودية الذي لا يعبد سواه. ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].

هذا الأمر العظيم- التفكير في هذا الكون العظيم- جاء ذكره في كتاب الله سبحانه في عدد من الآيات، بالأمر بالنظر تارة.. ودعوة إلى التفكر فيه تارة، ووقوف مع بعض الآيات الكونية تارة أخرى.. ألا ترون إلى السماوات وعلوها وكبرها، وما حوته من مخلوقات لا حصر لها؟ ألا ترون إلى الأرض وما تحويه من كائنات حية؟ ألا ترون إلى المياه وأنواعها. وإلى الحيوانات وتعدادها واختلاف وظائفها، وكبرها وصغرها؟ ألا ترون إلى الليل والنهار وسيرهما مطايا في هذه الدنيا؟.. ألا ترون إلى تقلب فصول السنة صيفًا حارًا وشتاءً باردًا؟ .. إلى غير ذلك مما يصعب حصره.. وكل هذا الكون بما فيه سُخر للإنسان ليقوم به ويستغله في مصالحه. في الدنيا والآخرة .. يقول سبحانه: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].

وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164].

وقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍۢ ۞ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ۞ تَبْصِرَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ۞ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ مُّبَـٰرَكًۭا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ۞ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍۢ لَّهَا طَلْعٌۭ نَّضِيدٌۭ ۞ رِّزْقًۭا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ  ﴾ [ق : 6-11].

ويقول سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 5].

أيها المسلمون: إن من فضل المولى جل وعلا، وعظيم نعمته أن منح الإنسان المخلوق الضعيف عقلًا يميز به بين الخير والشر، والضار والنافع، والصالح والفاسد، جعل له عقلًا يدله على الخير فيعمل به، ويعرِّفه بالشر فيجتنبه، جعل له هذا العقل ليستدل به من خلال تفكره بهذه المخلوقات العظيمة على شكر خالقه، سبحانه وتعالى، على هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى عبادته، فيقوم بها فلا يزيغ عنها يمنة ولا يسرة، فهل نجعل من عقولنا دليلًا لخالقنا فنخضع له عابدين مطيعين ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه شاكرين لنعمه حامدين لفضله، مثنين عليه الخير كله؟ هذا هو المسلم العاقل الراشد.

أيها المسلمون! آية من آيات الله العظيمة تمر علينا كل عام نستعد لها بالأمور الدنيوية، بين مستقبل لها وخائف منها، آية عظيمة لها من المنافع – في حال استغلالها- ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، آية تستحق بحق الوقوف والتأمل؛ ليرى العبد ما تحويه من النعم العظيمة، آية تدل على عظم الخالق المدبر لهذا الكون- تلكم هي أيها المسلمون- الشتاء بما فيه من برودة في الجو، وطول ليل، وقصر نهار، وزرع زروع معينة لا تزرع في غيره، هذا الفصل من فصول السنة يبرد فيه الجو برودة عالية تصل إلى التجمد، وما فوق التجمد في كثير من بلدان العالم، يكون مجالًا للأمطار في بلدان أخرى بقدرة الله تعالى، يأمل فيها الناس رحمة الله فإذا نشرها بين عباده اخضرَّت الأرض وتوالت الأرزاق بعد نزول الأمطار.. يستعد فيه الناس بوسائل التدفئة المتعددة والمختلفة، من اللباس وغيره، إنه مجال خصب للحيوية والنشاط والطاعة والعبادة.

أيها المسلمون! كم من الحكم العظيمة في طول الليل وقصر النهار، قال تعالى: كَانُوا۟ قَلِيلًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۞ وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17-18] فأين هم أهل الليل ليقوموا فيمن يقوم، الذين قال الله عنهم: «هل من داع فأستجيب له، هل من مستغيث فأغيثه، هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر».

والدعاء والاستغفار، والرجاء والصلاة والتوبة مطلوبة من القائمين المجافين جنوبهم عن المضاجع والسؤال أين ذوو الحاجات فيطلبوها؟ وأين المكروبون؟ وأين المرضى والمهمومون؟ فهذا وقت القرب والدعاء فيه يرفع به الكرب عندما يتنزل الله سبحانه وتعالى في آخر الليل كما ورد في الحديث الصحيح الآنف الذكر. وأين أهل النهار لاستغلاله بالصيام بكل نشاط وقوة.. سبحانك ربي ما أكثر نعمك، وأعظمها! اللهم فأعنا على أنفسنا وعلى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله ﷺ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات، وفيها ميدان فسيح من ميادين الطاعة والعبادات، فأكثروا من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، فذكره مرغب في السبق إلى الخيرات، والاستكثار من الصالحات.

أيها المسلمون: إن مرور الصيف والشتاء عامًا بعد عام يذكر المسلم بأن العمر رحلة سريعة يمتطي هذا الليالي والأيام. ويمر عليه العام بعد العام لتأتي رحلته على نهايته في هذه الدنيا ودخوله في الآخرة، فيستعد للقاء الله سبحانه وتعالى استعدادًا يليق بذلك اليوم، فيتحمل معه في رحلته من الزاد والراحلة ما يبلغه الأمن والأمان في ذلك اليوم العظيم، وهذا الشتاء من أكبر العوامل على استغلال الزاد والراحلة لما فيه من حيوية الجسم ونشاطه، وعدم كسله وخموله، فأين العاملون الموفقون؟ وأين الحريصون الذين يتذكرون هادم اللذات ومفرق الجماعات؟ فيعرفون أن هذه الأيام والليالي، والصيف والشتاء ما مر منه لا يعود، مضى بما فيه، وبما حوى فيه، يقول الرسول ﷺ : «أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت».

أيها المسلمون!
أشكروا الله على ما أولاكم به من النعم والآلاء التي لا نستطيع حصرها ولا عدها، استعداد كامل من الألبسة الكثيرة والمتنوعة ووسائل التدفئة المتعددة، والطعام والشراب بكل أنواعه وصنوفه، فلا يحس الكبير بالبرودة، ولا يشعر الصغير بلسعة الهواء البارد، يلتحف ما يدفىء، ويلبس ما يدفىء ويأكل ما يشبع، كل ذلك في حالة أمن واستقرار، نعم تستحق من الشكر والحمد والثناء لله سبحانه وتعالى الذي أعطانا ولم يمنعنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.. وهناك أعداد هائلة من المسلمين يسيحون بلا مأوى، يلتحفون السماء، ويفترشون الثلوج الباردة.. يأكلون الأشجار.. يمن عليهم الكفار بعطايا لا تسد رمقهم.. بيوتهم هدمها أعداؤهم وطردوهم منها.. قتلوا الرجال.. انتهكوا أعراض النساء.. شردوا الكبار والصغار ..

أيها المسلمون! الشجون في ذلك كثيرة، وغير خافية وهي تثير كل مخزون.. فليقف كل مسلم مع نفسه، فإذا أكل الحار فليتذكر حال أولئك وما يأكلون، وإذا شرب الدافىء فليتذكر تلك الثلوج التي افترشوها. وإذا دخل بيته الدافىء فليتذكر تلك الخيام الممزقة التي لا تقي برودة الجو ولا تقف أمام عواصف الهواء.. وإذا نام هو وأولاده على الفراش الوثير الناعم الدافىء فليتذكر ما يفترشه أولئك ويزيد البرودة برودة.

أيها المسلمون! هذه الآيات الكونية تذكر بقول الرسول ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا وشبَّك بين أصابعه» ويقول الرسول ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

فاستشعروا هذه المعاني العظيمة، وقوموا بحقوقها الواجبة عليكم، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.