home-icon
الإرهاب والضرورات الخمس

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله ! اتقوا الله في سركم وعلانيتكم، واتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، اتقوا الله في أقوالكم وأعمالكم، اتقوه حيثما كنتم.

أيها المسلمون!

يكثر الحديث هذه الأيام عن «الإرهاب» في كثير من دول العالم ومجتمعاته، وقلَّ أن تنظر أو تسمع أو تقرأ في أي وسيلة إعلامية إلا ويأخذ الإرهاب النصيب الأكبر والحظ الأوفر منها.

وفي هذا الأسبوع ينطلق في بلادنا حدثان كبيران: المؤتمر الدولي للإرهاب، والحملة الوطنية ضد الإرهاب.

ولا شك أنهما لم يأتيا من فراغ أو مجاراة، فواقع الحال الذي تعيشه هذه البلاد منذ أكثر من سنين يؤكد الحديث عن هذا الموضوع الخطر واقعًا وأسبابًا وآثارًا وعلاجًا ومقدمات ونتائج.

أيها المسلمون !

لقد خلق الله تعالى الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادة الله تعالى في الأرض يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وهذه العبودية سماها الله تعالى: الإسلام قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].

وقام هذا الدين على حفظ كليات، لا يجوز خدشها، والعبث بها، وهذه الكليات هي: الدين والنفس والمال والعقل والنسل. وقد كفل الإسلام ما يحفظها، وشدد العقوبات فيها، وشرع الزواجر والحدود لمن خالفها أو تعرض لها، فمن خالف الدين وأركانه وتشريعاته، ومن اعتدى على الأنفس المعصومة بقتل أو جرح، أو غيبة، أو نميمة، أو ظلم ونحو ذلك، ومن اعتدى على المال بسرقة، أو غصب، أو بخس مكيال أو ميزان، أو نهب وغير ذلك، ومن تعرض للعقل بإذهاب، أو تغييب، أو تخدير، ومن اعتدى على الأعراض زنًا أو لواطًا أو تخليطًا في الأنساب. كل هذه الجرائم والاعتداءات رتب عليها الإسلام العقوبات الشديدة، والحدود القطعية في الدنيا والآخرة، وكل هذه الاعتداءات من الإرهاب الذي حاربه هذا الدين لما يترتب عليه من المفاسد الكثيرة، على الدين والأفراد والمجتمعات، والعرض والأمن وغيرها مما لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى.

وما يجري في بلادنا وفي بعض بلاد المسلمين هو من هذا النوع الذي ترتبت عليه مفاسد خطيرة، وآثارٌ سيئة من القتل للمسلمين والمستأمنين، وإهدار للأموال، وإخلال بالأمن، وترويع الآمنين، وتدمير للممتلكات، وعبث بالمقدرات، وفتح ثغرات للأعداء، وتشويه لهذا الدين، وما نتج عنه من تكفير للمسلمين وخدش لأعراض العلماء وإسقاط لهيبتهم، وخروج عن ولاة أمرهم، وقلب للمصطلحات والمفاهيم، وتشويه لها كالجهاد، والدعوة والإصلاح، والتغيير، وقول على الله بغير علم، واتباع لكل ناعق ومجهول.

أيها المسلمون!

استمعوا لهذه النصوص العظيمة التي تقرر تلك الأصول العظمى، والكليات الكبرى، يقول الله تعالى:

﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] وقال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء 33] وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]، ويقول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ومن يقتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة».

أيها المسلمون!

لا شك أن تلك الجرائم إرهاب وتخويف واعتداء وإجرام وجنايات، وآثارها خطيرة رأينا شيئًا منها، وما خفي كان أعظم، وإذا كان الأمر كذلك فلم تأت هذه الجرائم، ولم يتنفس ذلك الإرهاب إلا بتنفس الجهل، والجهل أساس الداء، الجهل بدين الله تعالى والجهل بحقيقة العبودية، والجهل بواجب الإنسان، والجهل بالطريق السليم، والجهل بالمصالح والمفاسد، والجهل بمفاهيم الدعوة والجهاد والإصلاح، ومما يترتب على هذا الجهل صدور تلك الفئة عن مصادر مجهولة أو عن صغار في السن، فلم يصدروا عن علماء الأمة، وربانها وقادتها فصاروا يتلقون من هنا وهناك حتى ضلوا الطريق وحادوا عن الصراط المستقيم. إن داء الجهل خطير، وآثاره أخطر لذا حاربه الإسلام وشدد على محاربته وأمر بالتعلم والتعليم، فإن لم يستطع فلا أقل من السؤال، والله جل وعلا ندب إلى ذلك بقوله: ﴿ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 6] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما شفاء العي السؤال» فاتقوا الله عباد الله واحذروا الفتن والجهل.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلَّا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ﷺ وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون!

إن الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأنعم علينا، وتركنا رسول الله ﷺ على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

فالدين واضح المعالم، منهج متكامل في كل الأحوال والظروف، وفي جميع شؤون الحياة وقد أرانا الطريق، وبين لنا المخرج من الفتن، والعواصم من القواصم، وعلى رأسها الاجتماع، وعدم الفرقة والاختلاف، ولزوم جماعة المسلمين، والحذر من الشذوذ، جاء في الصحيح: «يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار». والجماعة هم عامة المسلمين، والسواد الأعظم الذين يسيرون وراء إمامهم، ومن ولاه الله عليهم، ومن نافلة القول اتباع العلماء العاملين الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم ورثته فقال: «العلماء ورثة الأنبياء».

فما بال تلك الفئة من الشباب زهدوا في علمائهم، وخرجوا على ولاة أمرهم واتبعوا أقاويل من هنا وهناك لا يعرف مصدرها ومنبعها.

ومن العواصم أيضًا عدم التفريط بمكتسبات الدولة وثوابتها من أهل الحرص على الأمن واستتبابه والمحافظة عليه والتعاون ضد من يحاول العبث فيه والإخلال به.

فالمحافظة على الدين والأعراض والأنفس والأموال والعقول لا تتم إلا بمجتمع آمن مستقر، وخليل الله إبراهيم (رضي الله عنه) جعله أول دعائه، فقال الله عنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] فرتب التوحيد على الأمن، وهذا عباد الله- يقتضي من الجميع التعاون والتآزر لئلا يستغل الفرصة عدو حاقد، أو منافق مدنس، أو جاهل مسكين.

إن الإرهاب المتفشي والأحداث المتلاحقة تذكر الجميع بأن عليهم واجبًا عظيمًا، ومسؤولية كبيرة تجاه دينهم ومجتمعهم وبلدهم، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

ومن أهم مفردات هذا التعاون، أداء كل منا مهمته ومسؤوليته، فكما أن أجهزة الأمن الرسمية عليها مسؤولية المحافظة على الأمن، أيضًا فغيرهم مسؤول، فالعاملون في المؤسسات الحكومية مسؤولون، والموظف مسؤول، والعالم مسؤول، والمتعلم مسؤول، والإعلامي مسؤول، والأب مسؤول، والمدرس مسؤول، والأم مسؤولة، فكل مسؤول من خلال موقعه وحسب جهده واستطاعته، وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، كما أمركم الله تعالى في كتابه العزيز فقال جل من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].