
الخطبة الأولى
الحمد لله وحده لا شيء قبله، ولا شيء بعده، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، قدر الليل والنهار، وقدر القمر منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب، أحمد سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الدنيا والآخرة، وإليه المآب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الحكمة والكتاب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب.
أما بعد: عباد الله! اتقوا الله تعالى، وعظموه في نفوسكم، وقوموا بما أوجبه عليكم؛ فإن الأعمار تطوى، والآجال تفنى، وأعمالكم تحصى.
أيها المسلمون! المؤمن العاقل، والمسلم الحصيف هو الذي يقف مع نفسه متأملًا، وفي واقعه مراجعًا يوم يلقى ربه عَزَّ وَجَلَّ .
والإنسان في هذه الحياة بين غادٍ ورائح قد تشغله المشاغل، وتلهيه متع الحياة، ويمضي عليه الليل والنهار، فيفاجئه الأجل، فلا يرى أنه قدم لله شيئًا يذكر.
ولأجل ألا ينساق مع نفسه وهواه، وألا يشغله، شيطانه بمعصية ربه ومولاه، عليه أن يبحث عما يكبح جماحه عن المعصية، ويذكره حال الغفلة، ويجعله يمضي قدمًا في العبادة والطاعة، فتكون حياته مليئة بما يزيد في حسناته، ويكفر سيئاته.
أيها المسلمون! أمر عظيم كبير إذا ما استشعره المسلم، وجعله نصب عينيه قاده إلى ساحل النجاة، وبرِّ الأمان، ذلك هو استشعار عظمة المولى سبحانه، ومعرفة أسمائه وصفاته، والتفكر فيها، وعقل معانيها هذا الأمر الذي غفل عنه كثير من الناس، ولم يلق له بالًا، فمثل هذا فتح المجال لهواه وشيطانه، ونفسه، فقادوه إلى المهالك، فتراه متنقلًا من معصية إلى أخرى، وينام خاتمًا يومه بذنب، مستيقظًا على آخر، غافلًا عن أوامر ربه، ناسيًا أو متناسيًا تعاليم مولاه، تراه يتقلب في بحار الشهوات البهيمية، قلبه مليء بالشكوك الشيطانية. لا يقر له قرار في العبادة، متشاغلًا بأمور دنياه عن دينه. إن مثل هذا- عباد الله- نسي الشعور تجاه الله تعالى، فلم يقرأ كتابه الكريم المليء بالتوحيد العظيم نحو استشعار عظمة الرب الرحيم.
إذا تأمل المسلم هذه النصوص القرآنية ارتجف قلبه، وتواضعت نفسه للعلي الكبير، وخضعت أركانه للسميع العليم، وازداد خشوعًا لرب الأولين والآخرين، فهو سبحانه العظيم المهيمن الجبار المتكبر، القوي القهار، الكبير المتعال، وهو الحي الذي لا يموت، وهو القاهر فوق عباده، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، عزيز ذو انتقام، وسع كل شيء علمًا، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قد وصف سعة علمه سبحانه بقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].
ومن عظمته ما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].
روى البخاري، وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟».
ومن عظمة الله سبحانه ما حدث به الرسول ﷺ : «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير».
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله واصفًا عظمة الله تعالى بكلام عظيم: «يدبر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول، فيذهب بدولة، ويأتي بأخرى، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها، وفي البحار والجو، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه، ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على تفنن حاجاتها، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات، وأحاط بصره بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية؛ ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]، ويفرج همًا، ويكشف كربًا، ويجبر كسرًا، ويغني فقيرًا، ويهدي ضالًّا ويرشد حيران، ويغيث لهفانًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتلىً، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويستر عورة، ويؤمن روعةً، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، لو أن أهل سماواته، وأهل أرضه، وأول خلقه وآخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا على أتقى رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أول خلقه وآخرهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه، وإنسَهم وجنَّهم وحيَّهم وميَّتَهم ورطْبَهم ويابسَهم قاموا في صعيد واحد، فسألوه، فأعطى كل واحد مسألته ما نقص مما عنده مثقال ذرة، تبارك وتعالى، أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأولى من شكر، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، هو الملك الذي لا شريك له، والفرد الذي لا نِدَّ له، والصمد، فلا ولد له، والعلي، فلا شبيه له، كل شيء زائل إلا ملكه، لن يطاع إلا بأمره ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، أخذ بالنواصي، وسجل الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، عطاؤه كلام، وعذابه كلام ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] سبحانه وتعالى ﷻ، فاتقوا الله من هذه صفاته وأفعاله، واستشعروا عظمته تفوزوا في حالكم ومآلكم».
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله! إن استشعار عظمة الله تعالى في النفوس تزيد في الإيمان، وتعمق التوحيد، وتقر العقيدة في القلب، وإذا كان كذلك ازداد العبد محبةً لله وخشية له، وخوفًا منه، ورجاءً له، وأخلص العمل له، وهذا هو عين سعادة العبد وراحته وطمأنينة قلبه في الدنيا والآخرة، وإذا استشعر العبد عظمة الله تعالى، وجعلها نصب عينيه زكت نفسه، وتهذب فؤاده، وصقل قلبه، فكان أبيض نقيًا يرى بنور الله، فلا تقدم نفسه على معصية، ولا يجرؤ على فعل ذنب، أو اقتراف جريمة، فالخالق أمام عينيه يستشعر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۞ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ۞ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 16-18].
وإذا كان كذلك أيضًا قَبِلَ العبد توجيهه ﷺ فيما وجه إليه، ووصف به ربه، عَزَّ وَجَلَّ، أنه يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فكيف بإنسان يقترف معصية، وربما جاهر بها وفاخر، والعياذ بالله؟
أيها المسلمون! إن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، وقد يزينها الشيطان في لحظات فتور، أو حالة انشغال عن الطاعة، فتتذكر أن الله يبصرها ويراها، فتذكر وقوعها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية وتبتعد عنها، وإن النفوس قد تتطلع إلى ما عند الآخرين، فربما وقع فيها شيء من الحسد أو الاعتراض على قدر الله، فتتذكر أن الله تعالى هو الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، فتكف عن حسدها، وتنفطم عن غيها، وإن المسلم قد يقع له من أقدار الله المؤلمة، فتتناوشه المصائب، وتعتريه المكاره، فيستشعر عظمة المولى عَزَّ وَجَلَّ ، ويعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، فيلجأ إلى الركن الركين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل، وتنقلب المحنة منحة.
أيها المسلمون! إن استشعار عظمة الله في النفوس ليست دعوى تنطق باللسان، ولكنه تعظيم في النفوس، وعمل بالطاعات المقربة إلى الله فرائضها ونفلها، والمسارعة في ذلك.
أيها المسلمون! إن فئة من الناس ابتلوا بالغفلة عن الله تعالى، وعدم استشعار عظمته وجلاله، فتراهم يهيمون في كل واد، ويبحرون في بحار من الظلمات، ويغوصون في المعاصي، فيفاجئهم الأجل، وهم على ذلك، فيا لخسارتهم وهلاكهم في بعدهم عن خالقهم، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٩ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴾ [المنافقون: 9-11].
أيها المسلمون! اتقوا الله! واستشعروا عظمة ربكم وجلاله، واجعلوا ذلك قائدًا لكم، وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير كما أمركم مولاكم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56].

فتح مكة
الخطبة الأولى الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل...

فاستبقوا الخيرات
الخطبة الأولى الحمد لله الذي أمر بفعل الطاعات، وترك السيئات، وحث عباده على اغتنام الأوقات، والمواسم الفاضلات بالاستباق إلى الخيرات،...

السهـــر
الخطبة الأولى الحمد لله الذي جعل النهار معاشًا والليل سكنًا، وأسبغ على عباده من فضله ونعمائه آلاء ومننًا. أحمده سبحانه...

نعمة الأمن
الخطبة الأولى الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا...

وقفات مع قصة يوسف عليه السلام (6)
الخطبة الأولى الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه، أحمده سبحانه على جزيل نعمه وما أولاه، وأشهد ألا إله...