
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الصلاة راحة لقلوب الأخيار، وطريقًا للسعادة في دار القرار، أحمده سبحانه وأشكره، جعل الجنة مأوى للذين اتقوا ومثوى الكافرين النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بادر إلى الصلاة بسكينة ووقار، ومحبة وخضوع وانكسار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقب الليل والنهار، وما تساقط ورق الأشجار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله! إن الحديث عن الصلاة يحتاج إلى تذكير وتكرار، فلا يمل سماعه الأبرار، ولا تشبع منه قلوب الأخيار، وهي عروة الدين، ومفتاح جنة رب العالمين، وهي من أعظم الفرائض أثرًا، وأفظعها عند الترك خطرًا.
أيها المسلمون! لقد افترض الله على الأمة خمس صلوات في اليوم والليلة، وشرع بجانب الفرائض التقرب إليه بنوافل الصلوات، فالتطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم؛ لمداومة النبي ﷺ على التقرب إلى ربه بنوافل الطاعات، ومن حكمة الله سبحانه ورحمته بعباده أن شرع التطوع، وجعل لكل عبادة واجبة تطوعًا من جنسها، ليكون جبرًا وتكملة لما قد يقع في الفرائض من نقص، فالصلاة منها الواجب، ومنها التطوع، والصيام منه الواجب، ومنه التطوع، والحج كذلك منه الواجب، ومنه التطوع.
فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته- وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم».
عباد الله! التطوع هو كل طاعة ليست بواجبة، ومن حكمة الله أن شرع لكل فرض تطوعًا من جنسه، ليزداد المؤمن إيمانًا بفعل هذا التطوع، وقد شرع الله التطوع في الصلاة، وهي أنواع: منها ما يشرع له الجماعة، ومنها ما لا يشرع له الجماعة، ومنها ما هو تابع للفرائض، ومنها ما ليس بتابع، ومنها ما هو مؤقت، ومنها ما ليس بمؤقت، ومنها ما هو مقيد بسبب، ومنها ما ليس مقيدًا بسبب، وكلها يطلق عليها: صلاة التطوع.
عباد الله! إن صلاة التطوع لها فضائل كثيرة عظيمة منها:
- أنها سبب لرفع الدرجات، وحط الخطيئات لحديث مَعْدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله؟ فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة».
- أنها سبب من أعظم أسباب دخول الجنة بمرافقة النبي ﷺ؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أَبِيْتُ مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»؟ فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».
- أن التطوع يجلب محبة الله لعبده؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».
عباد الله! ومن السنن والتطوعات التابعة للصلوات المكتوبة: السنن الرواتب، وهذه السنن يتأكد فعلها، ويكره تركها، ومن داوم على تركها سقطت عدالته عند بعض الأئمة؛ لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه وعدم مبالاته، والرواتب المؤكدة مع الفرائض اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة». وجاء في تفسيرها في سنن الترمذي من حديث أم حبيبة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: قال رسول الله ﷺ: «من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة؛ أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر».
وآكد هذه الرواتب ركعتا الفجر، تقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لم يكن النبي ﷺ علـى شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر. ولهذا كان النبي ﷺ يحافظ عليها وعلى الوتر في السفر والحضر.
ويسن في ركعتي الفجر تخفيفها، وأن يقرأ في سورة الركعة الأولى سورة الكافرون، وفي الثانية سورة الإخلاص؛ لفعل النبي ﷺ.
عباد الله! حافظوا على هذه الرواتب، فإن في ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21] وفيها جبر لما يحصل في الفريضة من خلل أو نقص.
عباد الله! ومن السنن والتطوعات أيضًا:
صلاة الوتر، ومن أهمية الوتر أنه آكد التطوعات، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه، وما اختلف في وجوبه، فهو آكد من غيره، فلا ينبغي تركه، قال الإمام أحمد رحمه الله : من ترك الوتر، فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته.. وروى أحمد، وأبو داود مرفوعًا عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يوتر فليس منا». والوتر – عباد الله- أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة، يصليها مثنى مثنى، ثم يصلي ركعة واحدة يوتر بها، ووقت الوتر يبدأ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، لقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ فانتهى وتره إلى السحر. وتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل، ومن لم يثق من قيامه في آخر الليل، فإنه يوتر قبل أن ينام، فقد روى مسلم من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر، ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل، فليوتر من آخره؛ فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل».
ومن السنن الثابتة عن النبي ﷺ:
4- صلاة الضحى: وهي سنة مؤكدة؛ لفعل النبي ﷺ، ولإرشاده عليه الصلاة والسلام إليها أصحابه في حديث أبي هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ قال: «أوصاني خليلي بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر».
وأقل الضحى ركعتان، وأكثرها لا حد لها. ففي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله. ووقتها يبتدئ من ارتفاع الشمس بعد طلوعها قدر رمح، ويمتد إلى قبيل الزوال، والأفضل أن تصلى بعد اشتداد الحر، لحديث زيد بن أرقم رضي اللَّهُ عَنْهُ قال: قال النبي ﷺ: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال». ومعنى ترمض الفصال: أي حين تَحْمى الرمضاء، فتحرق خفاف الصغار من أولاد الإبل.
ومن التطوعات أيضًا:
5- التهجد بالليل: وهي سنة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64] وقال تعالى في صفة المتقين: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] فهم الأيقاظ في جنح الليل، والناس نيام، المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام، لا يطمعون بالكرى إلا قليلًا، ولا يهجعون بالليل إلا يسيرا، ويقول تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ۞ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16، 17] فهم يتركون النوم على الفراش اللينة واللحف الدفيئة في الشتاء، ويقومون لصلاة التهجد، ثم ذكر ثوابهم، فقال: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
فإن الجزاء من جنس العمل، فإنهم لما أخفوا قيامهم بالليل أخفى الله جزاءهم.
قوم إذا جن الظلام عليهم باتوا هنالك سجدًا وقيامـــًا
خمص البطون من التعفف خُصَّرًا لا يعرفون سوى الحلال طعامًا
وقد حث النبي ﷺ على قيام الليل بقوله: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وقال ﷺ: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد».
عباد الله! إن التطوع المطلق أفضله قيام الليل، لأنه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، ولأنه وقت غفلة الناس، ولما فيه من إيثار الطاعة على النوم والراحة، وعدد الركعات في قيام الليل ليس لها عدد مخصوص لقول النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». ولكن الأفضل الاقتصار على إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، ومن فاته تهجده من الليل استحب له قضاؤه بالنهار؛ لقول النبي ﷺ: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» .
فيا أيها المسلم! لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل، ولو بالقليل فتداوم عليه، لتنال من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار، والله لا يضيع أجر المحسنين.
بارك الله لي ولكم، بالقرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيها من القرآن والحكمة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم وسار على منهاجهم إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها المسلمون! وهناك صلوات نوافل لها أسباب تفعل إذا وجدت هذه الأسباب، ومن ذلك:
- تحية المسجد لمن دخله، وأراد الجلوس فيه، وهي سنة مؤكدة؛ لقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
- ومن التطوعات المستحبة، وهي من ذوات الأسباب والصلوات النافلة الصلاة عقب الوضوء، وهي سنة مؤكدة في أي وقت؛ لحديث أبي هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي».
- ومن الصلوات المشروعة لسبب أيضًا: صلاة الاستخارة: لحديث جابر بن عبدالله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني» قال: ويسمي حاجته.
عباد الله! يقول الإمام أحمد رحمه الله : إنما حَظُّ الناس من الإسلام على قدر حظهم في الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة. فاعرف نفسك، يا عبدالله، واحذر أن تلقى الله عَزَّ وَجَلَّ، ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك، كقدر الصلاة في قلبك، ألا ومن تعظيم قدر الصلاة الإتيان بالفرائض الخمس والمحافظة على النوافل من التطوعات التي تكملها وتجبر كسرها، فهي زيادة في عمل المسلم وإتاحة للفرصة أمامه لآخرته، وليتصل بربه، ويرفع إليه شكواه وحوائجه، ويتقرب إليه، ولهذا يقول تعالى في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فمحبة الله للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل ، ومن أدى الفرض، ثم زاد عليه النفل، وأدام ذلك تحققت منه إرادة التقرب، وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة، كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك.
ثم صلوا على من أمركم بالله بالصلاة والسلام عليه حيث قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56].

من مقتضيات العقيدة: الصبر
الخطبة الأولى الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، أحمده سبحانه الكريم الوهاب، وأشكره على نعمه وآلائه...

وقفات حول بعض الأحداث
الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الأرض قرارًا ومهادًا وبساطًا، وجعل منها رواسي أن تميد بكم، وجعل...

التبرج والسفور
الخطبة الأولى الحمد لله الذي بيَّن لنا طريق الخير والرشاد، وحرم وسائل الشر الفساد، وقمع أهل الزيغ والعناد، أحمده سبحانه...

التفريط في عمل اليوم والليلة
الخطبة الأولى الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا...

شروط الحج وأركانه
الخطبة الأولى الحمد لله على ما خصنا به من الفضل والإكرام، فما زال يوالي علينا مواسم الخير والإنعام، ما انتهى...