home-icon
التوحيد وتطبيقه العملي

الخطبة الأولى

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكر فضله، من توكل عليه كفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اصطفاه ربه واجتباه، وقربه إليه وأدناه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه، أما بعد:

عباد الله! اتقوا الله، فمن اتقى الله حفظه، ويسر له أمره، وهداه إلى رشده، وأحسن عاقبته، وأفلح في دنياه وآخرته.

أيها المسلمون! لحكمة بالغة، وغاية عظمى يسعى لتحقيقها الطالبون، ويتنافس في نيلها المتنافسون، خلق الله سبحانه وتعالى الخليقة، وأوجدهم في هذه الحياة، وأرسل لهم رسلًا مبشرين، منذرين؛ ليدلوهم عليها، ويرشدوهم إليها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36] هذه الغاية: هي تحقيق لا إله إلا الله، تلك الكلمة العظيمة، ما حلّت قلب فرد إلا وغيرت حياته، وما حكمت بها أمة إلا وصبغت حياتها صبغة معينة وسادت العالم كله، هذه الكلمة العظيمة تعني أن لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، هي التوحيد الخالص، ولباب الرسالات كلها، وعمود الدين، والاعتقاد الذي يجب أن ينطلق منه كل عمل.

هذه الكلمة تعني أن لا ترفع يديك، بدعاء واستغاثة، وطلب واستعانة إلا من الله تعالى، ولا تتوجه بقلبك، وتأمل، وترجو إلا الله تعالى، ولا تناجي في ظلمات الليل البهيم، وضياء النهار الساطع، وفي حالات الشدة، وساعات الرخاء، وأوقات الفرح والترح إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تنذر إلا لله جل وعلا، وهذه الكلمة تعني أن تنطلق في جميع أعمالك كلها من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر وإحسان وتعامل مالي أو غيره أو زواج وتحاكم لله تعالى، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۞ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  ﴾ [الأنعام: 162- 163].

أيها المسلمون! هكذا المسلم يجب أن يصوغ حياته، ويعدل سلوكه، ويقيم تصرفاته، ويبني علاقاته قائمة على هذا التأسيس بالقلب، ثم يتفرع منه إلى عمل الجوارح.

ومن كان كذلك كان كسلف الأمة الصالح الذي لم تتجه قلوبهم إلا لله، ولم تقع أعينهم إلا على ما يقربهم إلى الله، ولم تستمع آذانهم إلا ما يرضي الله، ولا تنطلق ألسنتهم إلا بما يرفع مقامهم عند الله، فتراهم عرفوا ربهم حق المعرفة، وعبدوه حق عبادته، قاموا ليلهم، وصاموا نهارهم، ووصلوا أرحامهم، وأقاموا سلوكهم على ما جاء عن ربهم، تراهم كما قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۞ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۞ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 2-9].

أيها المسلمون! هكذا التوحيد، وهكذا الموحدون الذين وحدوا الله، وعرفوا أنه لا شيء أحب على القلوب من خالقها، وفاطرها، فهو إلهها، ومعبودها، ووليها، ومولاها، وربها، ومدبرها، ورازقها، ومميتها، ومحييها، فبمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوة القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن، فليس عند القلوب السليمة، والأرواح الطيبة، والعقول الذكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم يحصل له بذلك أثمن من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة حتى قال قائلهم: إنه ليمر بالقلوب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. قاله ابن القيم رحمه الله.

أيها المسلمون! إن هذا التوحيد الخالص أفضل طَلِبَةً، وأعظم رغبةً، وأشرف نسبة، وأسمى رتبة، وهو وسيلة كل نجاح، وشفيع كل فلاح، يصير الحقير شريفًا، والوضيع رفيعًا، ويُعْلى النازل، ويشهر الخامل، هذا التوحيد الخالص يدخل الجنة وينجي من النار، روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ سمع مؤذنًا يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله»، فقال ﷺ: «خرجت من النار». وفي الصحيح أيضًا أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة».

والتوحيد الخالص- عباد الله- أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة، كما صح بذلك الخبر، عن سيد البشر ﷺ، والتوحيد الخالص أمان من وحشة القبر، وهول الحشر، والنشر، جاء في المسند مرفوعًا: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله، وقد قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن».

فيا أيها المؤمنون الموحدون! جددوا إيمانكم، ونقوا توحيدكم، وأخلصوا عبادتكم، وحققوا ذلك بأعمالكم، وتصرفاتكم، ولا تميلوا مع أهوائكم.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسنة نبيه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين الموحدين، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين أو من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون.. إن معظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام، وأشد البلايا التي حلت بها كان السبب الرئيس فيها ضعف التوحيد في النفوس، وما تسلط من الأعداء، وأغار من أغار على حياض المسلمين، واستأصل شأفتهم، واستباح حرمتهم إلا بسبب ضعف التوحيد، وما حرمت أمة نعمة من ربها إلا بسبب خلل في التوحيد: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

أيها المسلمون! لقد قصر فِئام من الناس بالتوحيد، فصادموا المنقول، وخالفوا صحيح العقول، يتهافتون على الغفلة تهافت الفراش على النبراس، حتى جاهر بعضهم بالمعصية، فأدت إلى بعدهم عن الله، ووقوعهم في الشبهات.

ولقد ابتلي كثير من الناس بالجهل بالتوحيد، فانحازوا إلى أصحاب القبور، والتجؤوا إليهم، وتضرعوا أمام أعتابهم، فقبلوها، وتمسحوا بها، حتى استغاثوا بأهلها في الشدائد والكروب، بل طافوا بها كما يطاف بالكعبة المعظمة، وأوقفوا الأموال الطائلة على تلك الأضرحة.

ولقد قصر آخرون مع التوحيد، فتقاذفتهم الأهواء، واستولت عليهم الفتن والأهواء، فمن مفتون بالتمائم والحروز، يعلقها عليه وعلى عياله بدعوى أنها تدفع الشر، وتذهب العين، وتجلب الخير، والله تعالى يقول: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17].

وقد رأى النبي ﷺ رجلًا في يده حلقة من صُفْر، فقال: «ما هذا؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا» رواه أحمد بإسناد حسن، وهناك فئام أخرى أخلت بالتوحيد، فافتتنت بالمشعوذين والدجالين الكذابين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل بدعوى أنهم يكاشفونهم بأمور الغيب، فيما يسمى بمجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، وكل ذلك دجل وخرافة، فالله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65].

والرسول ﷺ يقول: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».

وإن من الناس من يخل بالتوحيد إخلالًا قويًّا، كمن هو مفتون يلهث خلف من يقرأ الأبراج الذين يدعون أن السعادة كامنة في برج أصحاب الجدي، والغنى مستقر في أصحاب برج العقرب، والتعاسة وخيبة الأمل بمن يولد في برج الجوزاء إلى غير ذلك من سيل الأوهام والخزعبلات المفتنة التي لا تزيد العبد إلا وهنًا ورعونة وخوفًا.

فاتقوا الله، عباد الله! واحذروا من كل ما ينافي التوحيد، ويخل به، أو يجرحه أو يثلمه؛ حتى لا تقعوا فريسة للأوهام في الدنيا، وحتى لا يجدوا في الآخرة ما هو أشد وأنكى، فإن حققتم التوحيد، فأبشروا وأملوا، أبشروا بالسعادة والراحة في الدنيا، والأمان والنجاة في الآخرة. جعلني الله وإياكم من أهل لا إله إلا الله، الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.

وصلوا وسلموا على رسولنا الكريم، ذي القدر العظيم، كما أمركم الله تعالى في محكم التنزيل فقال جل من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56].