home-icon
الظلم ظلمات

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

اتقوا الله عباد الله، اتقوه في أنفسكم وأهليكم ومن تحت أيديكم، واتقوه في أعمالكم وأقوالكم وسلوككم فإن من اتقى الله وقاه. ومن لاذ به حماه.

أيها المسلمون! في مجرى الحياة الاجتماعية ألوان من التعاملات وأنماط من السلوك تحتاج إلى وقفات للتأمل والنظر، والمحاسبة والمراجعة، إن في تعامل الفرد مع الأسرة، أولادًا ووالدين، وزوجة وخدمًا، أو في تعامل الفرد مع المجتمع جيرانًا وموظفين، ومسؤولين وأُجراء، أو في تعامل المجتمعات مع بعضها البعض.

ديننا الحنيف قد نظم هذه التعاملات وذلك السلوك تنظيمًا محكمًا، يحكم الفرد في تصرفاته وأخلاقه، ويحكم المجتمع والدولة في النظم والتقاليد والعادات، وإن من أهم المعالم في هذه التشريعات المهمة والتي تحكم سير الأفراد والمجتمع أن يجعل هناك حواجز وموانع من تعدي من لا حقَّ له على الآخرين وظلمهم والتجاوز عليهم، فحرَّم الظلم، وشنَّع على الظَلَمة، وتوعدهم بأشد الوعيد، وحذر من سلوك مسلكهم جاء في الحديث القدسي: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا».

الظلم عباد الله أعلى الجرائم وأشنعها، وهو سبيل الهلكة والدمار، بالظلم تدمر الحياة الاجتماعية، وتتوهن صروح الأخوة، وتحطم المعاني السامية، وبالظلم تسلب الخيرات، وتنزع البركات، وتقسو القلوب، وتحل النقم، وتنتشر الأمراض النفسية والعصبية والعضوية، ويتزعزع الأمن والاستقرار، وتفشو الأنانية، ويسود الحقد والبغض، وتنزع الرحمة من القلوب، وبالظلم تقتل الرجال، وترمل النساء، وتيتم الأطفال، وتخرب الديار، ويفشو حكم الغاب، وتغيب الشفقة، ويقل الخير، ويكثر الشر، ويأكل القوي الضعيف، حتى الحيوانات تجوع، وتموت بسبب ظلم الظالم.

قال أبو هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ: «إن الحبارى لتموت هزالًا في وَكْرها من ظلم الظالم».

أيها المسلمون! إن أظلم الظلم وأعظم الجرم الشرك بالله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]
وكيف لا يكون ظلمًا، وقد سلب هذا الظالم حق الله تعالى وأعطاه لغيره دعاءً واستغاثةً ونذرًا وعبوديةً وحكمًا وركوعًا وسجودًا؟!!

ومن أشنع الظلم ظلم المرء لنفسه وذلك بالتعدي على حدود الله، وانتهاك حرمات الله بترك المأمورات وعمل المحرمات، وترك أوامر الله تعالى، قال تعالى:
﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].

أيها المسلمون! وفي مقدمة أنواع الظلم الشنيعة تعدي المرء على أسرته، فعقوق الوالدين، والتنكر لجميلهما، وعدم تلبية رغباتهما الشرعية، وعدم القيام بحقوقهما، وبخاصة عند الكبر؛ من أشد أنواع الظلم. وضعف تربية الأولاد، وترك الحبل على الغارب، وتهيئة الوسائل المحرمة لهم في البيت، وعدم توجيههم، والحرص على سلوكهم ومراقبتهم، فهذا من أشد أنواع الظلم، فقد حرموا من حقهم في التربية، ومن عدم حجزهم عن النار. فالله تعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا ﴾ [التحريم: 6]،
وقال عَلَيْهِ السَّلَام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته».

ومن الظلم لهم أو بعضهم عدم العدل بينهم في الأعطيات والهدايا والهبات، فيؤثر واحد على آخر بسبب حبه له، أو بسبب حبه لأمه له دون الآخر؛ فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد أن يشهده على أعطيته لأحد أولاده، فقال له النبي ﷺ: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال الرجل: لا، فقال رسول الله ﷺ: «فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور».
وفي الحديث الآخر: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وفي الأسرة كذلك كم يقع من الظلم على الزوجات من الأزواج ببخس حقوقهن، وإهانتهن، وعدم العشرة بالمعروف.

ومن الظلم عندما يكون لبعض الرجال زوجة أخرى أو زوجات، فيظلم هذه على حساب حبه للأخرى، وقد بيَّن ﷺ أن من لم يعدل بين زوجاته جاء يوم القيامة وشقه مائل. أي جنبه مائل. والله سبحانه وتعالى لم يحل الزواج بأخرى إلا مع اشتراط العدل بينهن.

أيها المسلمون! وتتسع دائرة الظلم للمجتمع على رأس تلك الأنواع الشنيعة بخس الحقوق وعدم إيصالها إلى أهلها في وقتها، وبخاصة الحقوق المالية، فكم وكم سمعنا من تأخير حاجة الأُجراء إليها!

فهذا الذي ترك داره وأولاده ووطنه من أجل هذه الدراهم المعدودة، إذا برب المال يماطله ويؤخره، وهو جالس في بيته وعلى فراشه الوثير، ويتنعم في وطنه وبين أولاده، وقد قال عَلَيْهِ السَّلَام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وليعلم صاحب المال والعمل أن الذي أعطاه هو الله عَزَّ وَجَلَّ، وهو قادر على أن يسلبه منه، وأي مسوغ شرعي له بتأخير مرتبه وحقوقه؟

أيها المسلمون! ومن الظلم أكل مال اليتيم، وتضييع ثرواته:
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا ﴾ [النساء: 10].
والتعدي على الناس في أبدانهم قتلا أو جرحًا، أو أموالهم أو زروعهم وثمارهم، أو أمنهم ورخائهم، أو العبث بممتلكاتهم ومقدراتهم، أو غشهم والتدليس عليهم في معاملاتهم وبيعهم وشرائهم، أو التعدي على حرماتهم وأعراضهم بالغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية والتنقص منهم والكذب عليهم.

ومن الظلم تقديم من لا يستحق على من هو أولى في الوظائف والترقيات والقبول في الجامعات وغيرها، كل ذلك وأمثاله من الظلم الشنيع.

أيها المسلمون! عاقبة الظلم وخيمة في العاجل والآجل استمعوا إلى هذه النصوص في أحوال الظلم والظلمة، ماذا سيلاقون في الدنيا والآخرة؟ قال تعالى: ﴿ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ ۞ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ ﴾ [إبراهيم، 42-43].
ومر معنا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10].

ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضٍ أو شيءٍِ فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينارًا ولا درهمًا، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» رواه البخاري.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».

أي أخذه أخذ عزيز مقتدر، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ﴾ [هود : 102].

ويقول عليه الصلاة والسلام وهو يكلم أصحابه: «وإياكم ودعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة»، ولك أن تتصور أيها المسلم في سكون الليل، وهجعة الناس، والمظلوم يتضور، ويطير عنه النوم من سَلْبِ حقه، فيتوضأ ويصلي ويخر ساجدًا ودموعه تقطر، والله عز وجل يقول: «من يدعوني فأستجيب له» فيدعو هذا المظلوم الرب جل وعلا، وهو العدل سبحانه، والغالب الذي لا يغلب، والقاهر الذي لا يقهر، وهذا العبد يخشع ويخضع له، فيدعو عليك أيها الظالم، فينتصر الله له، ويقول: «لأنصرنك ولو بعد حين». وإذا كانت الحيوانات تتقاضى يوم القيامة، فما بالك بالمكلف؟ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتـى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، فما بالك بمن يغتاب الناس كثيرًا، أو يبخس حق عماله وخدمه، أو يؤذي جيرانه فضلًا عن والديه وأولاده وزوجته وأرحامه ومجتمعه؟ فاتقوا الله، وتجنبوا الظلم، أفلا يظن الظالمون أنهم مبعوثون؟ أفلا يظنون أنهم محاسبون؟ ألا يظنون أن وراءهم يومًا ثقيلًا ، عبوسًا قمطريرًا؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا لا يبيد، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله أقرب إلينا من حبل الوريد، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد الأحرار والعبيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون! هذا هو الظلم بفظاعته وبشاعته، وجرمه وجريرته، وهذا هو مصير الظالمين وعواقب ظلمهم، وإذا كان هذا الظلم بهذه البشاعة والشناعة في حقوق الأفراد، فما بالكم بالظلم العام على المجتمعات والمقدرات والأرواح بالقتل أو سفك الدماء، وترميل النساء، وهدم البيوت، وتيتيم الأطفال، وتدمير المساجد، وقطع الكهرباء والماء، ونشر الخوف والرعب؟

أيها المسلمون! ويعيش العالم اليوم صورًا من هذا الظلم الشنيع وجور المنظمات العالمية والهيئات الأممية، والتبجح بالألسنة وقلب المصطلحات وحقوق الإنسان، وما حال إخواننا اليوم في فلسطين المسلمة، وفي القدس الشريف إلا شاهدًا لا يحتاج إلى برهان من ظلم اليهودية الحاقدة؟ وما حال إخواننا في العراق في هذه الأيام بالذات إلا شاهدًا أيما شاهد على ظلم الصليبية الحاقدة؟ وقد أصبحت الحجج مكشوفة مهما تلاعبوا بالمصطلحات وخدعوا البصائر والأبصار، وانخدع بهم من في قلبه مرض.

أيها المسلمون! وإذا كان الله سبحانه وتعالى لينتقم للمظلوم وينصره، فعلى المسلم أن ينصر إخوانه المظلومين بالشعور بمأساتهم والدعاء لهم في السر والعلن، فأبواب السماء مفتوحة، ودعاء المظلوم مستجاب ولو بعد حين.

اللهم انصر إخواننا المظلومين في فلسطين وفي العراق وفي كل مكان.
ثم صلوا على من أمركم بالصلاة عليه، لتفوزوا وتفلحوا كما أمركم المولى بذلك:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا