home-icon
وقفات حول بعض الأحداث

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الأرض قرارًا ومهادًا وبساطًا، وجعل منها رواسي أن تميد بكم، وجعل السماء سقفًا محفوظًا، أحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله! اتقوا الله فتقوى الله عروة ما لها انفصام، ونور تستضيء به القلوب والأفهام ﴿ا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۞ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1-2].

أيها الناس! في حوادث الدهر، ومقادير الله تعالى في الكون.. عظات، حقّ على المؤمنين الوقوف معها، وتأملها، والإفادة منها لحاضر حياتهم ومستقبلها، وفي الأسبوع المنصرم، مات ألوف، وهلكت أرواح، ودمرت ممتلكات، ومن آخر تلك الأحداث الزلزال المروع الذي حدث في بداية الأسبوع في جنوب وجنوب شرق آسيا، في قاع المحيط الهندي، مما سبب المد البحري على السواحل، وتأثرت به سبع دول آسيوية تأثرًا بالغًا، ولا زالت سلسلة الهزات التابعة له مستمرة؛ مما أدى إلى تدمير مدن بأكملها، هلك فيها أكثر من مائة ألف شخص، ولا زالت حصيلة القتلى بارتفاع، كما جرح وشرد مئات الألوف من مساكنهم، انقطعت بهم السبل، ودمرت الطرقات، وحيل بين الكثيرين منهم، وفرق الإنقاذ تعمل، والخوف يزداد أشد من انتشار الأوبئة، والأمراض الفتاكة تفتك بالأحياء الناجين نتيجة تعفن الجثث وانقطاع الخدمات الصحية، والاجتماعية وغيرها.

هذا الحدث العالمي المروع المذهل، أعقبه في نهاية الأسبوع الحدث المحلي وهو التفجير في مدينة الرياض من تلك الفئة الباغية، الخارجة عن الجماعة مما تسبب في خسائر مادية وبشرية نتج عنه إخلال بالأمن، وترويع الآمنين، وإرضاء للأعداء، ومحاولة تفريق الكلمة.

أيها المسلمون!

هذه الأحداث نقف معها إجلاء للحقيقة، واستنباطًا للدرس، وأخذًا للعبرة وتصحيحًا لمنهجنا في هذه الحياة.

أولى تلك الوقفات:

إن من أعظم نعم الله وآلائه أن مكن الله الناس في هذه الأرض التي يعيشون على ظهرها، ويدفنون في باطنها ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: 25]، ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه : 55]، ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : «ثم تأمل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة لتكون مهادًا ومستقرًا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحتهم، والنوم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم، ولو كانت زحزاحة منكفئة، لم يستطيعوا على ظهرها قرارًا ولا هدوءًا ، ولا بنت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حرفة ولا مصلحة، وكيف كانوا يهنؤون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم؟ واعتبر بما يصيبهم من الزلازل على غفلة من الزمن، كيف تضطرهم إلى ترك منازلهم والهروب عنها»؟! حقًا عباد الله هذه الأرض بوضعيتها وقرارها وانبساطها ومهادها تدعو لمزيد التفكر والاعتبار لنقول مرددين: سبحانك ربنا ما أعظمك!!

وثاني الوقفات: أن الله سبحانه وتعالى يحدث في هذا الكون ما يخالف مسيرتها المعتادة كالفيضانات، والبراكين، والزلازل، وغيرها؛ لينظروا فيها، ويتأملوا في حالهم ومآلهم. فهذه الزلازل على هذه الأرض تذكر بالزلزلة العظمى التي تعم الأرض كلها ﴿ إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا ۞ وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا ۞ وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا ۞ يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا ۞ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا ۞ يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡر فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ۞ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ﴾ [الزلزلة: 1-8] إن التأمل في هذه الزلازل يذكر بهذا اليوم العظيم وهذا الهول الكبير ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]. حدث في ثوان معدودة لا تتجاوز الدقيقة والدقيقتين، فما بالكم بالزلزال العظيم؟ ألا يدعو ذلك المسلم لمراجعة حاله وعلاقته بربه ليسلم يوم الزلزال؟ ألا يدعو المجتمع لعودته لربه وتصحيح مساره؟

الوقفة الثالثة: أن هذه الزلازل المروعة وما أحدثت من الخسائر البشرية والمالية من علامات آخر الزمان، كما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، ويتقَارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن ويكثر الهرجُ، قيل: الهرج أي ما هو الهرج يا رسول الله؟ قال: القتلُ القتلُ» وإذا كانت كذلك فلتعد العدة، ويحتمل الزاد، حتى لا يفاجأ العبد بما يحصل.

ورابع وقفة: أن هذه الزلازل ليست ظواهر طبيعية لا علاقة لها بأفعال الناس، كما ورد للأسف على ألسنة بعض الكتاب والإعلاميين، نعم قد تحدث المقدمات، فتعلم بالبحث والنظر، ولكن لها علاقة وطيدة بأفعال الناس، من حيث هي ابتلاءات وعقوبات، لعل الناس أن يرجعوا، ويعودوا إلى ربهم، ويعودوا إلى رشدهم، استمعوا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10] وهكذا جرى لقوم نوح عَلَيْهِ السَّلَام: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ۞ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء : 119-120].

وهكذا جرى لفرعون وجنوده : ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ [طه: 78] وهكذا جرى لقوم سبأ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ : 15].

فاتقوا الله عباد الله واعتبروا بهذه الحوادث العظيمة، وارجعوا إلى ربكم، وصححوا مساركم، وتوبوا من ذنوبكم، وأنيبوا إليه، نفعني الله وإياكم. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله القائل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [إبراهيم: 5] أحمده سبحانه وأشكره، فهو الحليم الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما توالت السنين والدهور، أما بعد:

عباد الله!

وخامس الوقفات: أن نتبين قدرة الله تعالى العظيمة في تدبر الكون، وأنه قادر على إزالته، كما هو قادر على تكوينه وعلى عقوبة المذنبين، عندما يكثر فسادهم في الأرض، قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] وكل ذلك ليخوف الله به عباده، ويريهم شيئًا من قوته وقدرته، ويذكرهم بذنوبهم، وأنه قادر على أخذهم على غرة أخذ عزيز مقتدر: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام : 45].

وقال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ۞ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۞ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 97-99].

وسادس الوقفات: أن هذه الحوادث كما تُعنى بها الدول والمجتمعات فلا ترمى الأسباب على الدول والمجتمعات، أو الظواهر الطبيعية، أو الأسباب المادية، ويبقى الفرد في مساراته الخاطئة وسلوكه المعوج بل عليه مسؤولية كغيره، فعلى كل فرد أن يعي ما عليه ويقوم بواجبه، فهو عنصر في هذا المجتمع، يؤدي كلٌ واجبه ومسؤوليته التي حمله الله تعالى إياها.

والوقفة السابعة: في خضم هذه الحوادث الكونية لا زالت تلك الفئة من الشباب سائرة في غيها في انحراف فكري وتدمير عملي لبلادهم ووطنهم وأهليهم وممتلكاتهم ومقدراتهم.. ألم يعِ هؤلاء بعد خطورة أفعالهم وانحراف مسارهم؟ ألم يسألوا أنفسهم ما الهدف من هذه الأفعال المشينة والأعمال الإجرامية المروعة؟ ومن المستفيد من تلك الجرائم؟ ومن يقطف ثمرة ذلك التفجير والتدمير؟ ومن تخدم تلك التصرفات والجنايات؟ ألم يكونوا سألوا العلماء عن حكم أفعالهم؟! أليسوا هم الخاسرين الأول؟ وأهلوهم؟ ووطنهم؟ وأمتهم؟

أيها المسلمون!

كل هذه الأفعال المستهجنة يجب أن تزيد من تمسك المجتمع والتحامه وتعاونه، والتفافه حول قيادته، بعلمائه وأئمته.

لا شك عباد الله أن الأرض تموج في فتن عارمة، وليس هناك مخرج إلا الثقة بالله تعالى، ثم الاعتصام بكتابه وسنة رسوله ﷺ الذي يمثله علماء الأمة وأئمتها المعتبرون.

والوقفة الأخيرة: دعوة هؤلاء وأولئك من الشباب بأن يحمدوا الله تعالى ويشكروه على ما هيأه لهم في هذه البلاد من مختلف النعم والآلاء وعلى رأسها وجود أئمة هدى وعلماء أجلاء، فلم البحث عن قادة وقدوات من هنا وهناك؟ ولم السير وراء مجاهيل وغياهب ومناهج من هنا وهناك؟ فليكن قدوتنا علماءنا قبل أن نبحث عنهم فلا نجدهم، فيتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فيضَلِوا ويُضِلوا، وتحية لكل عامل وباذل في سبيل المحافظة على الأهداف الكبرى أمنًا وممتلكات ومقدرات مهما كلف الثمن من القادة والعلماء والدعاة والمفكرين ورجال الأمن، حفظ الله البلاد وقادتها وعلماءها ورجالها ورعاتها ومواطنيها من كل سوء ومكروه، ورد كيد الكائدين وعدوان المعتدين . ووقانا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم صلوا وسلموا على رسول الهدى. كما أمركم المولى في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

icon1
خطب ذات صلة

الخطبة الأولى الحمد لله نحمدك، ونستعينك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونثني عليك الخير كله، نحمدك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم...

الخطبة الأولى الحمد لله الذي فرض الصلاة على العباد رحمة بهم وإحسانًا، وجعلها صلة بينهم وبينه ليزدادوا بذلك إيمانًا، وكررها...

الخطبة الأولى الله أكبر: (تسع مرات). الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد،...

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أمر بالإحسان وأخبر أنه يحب المحسنين، أحمده سبحانه وأشكره...

الخطبة الأولى الحمد لله دلَّ على وحدانيته، وألوهيته بالبراهين، والحجج، أحمده، سبحانه، وأشكره، وأسأله المزيد من فضله، بيده مفاتيح الفرج،...