home-icon
نعمة الأمن

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله!

اتقوا الله تعالى وراقبوه في السر والعلانية، واخشوه حق خشيته في سائر الأوقات والأزمنة المتتالية واشكروه على ما أنعم عليكم من النعم المتوالية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3].

عباد الله!

نعم الله تعالى سبحانه وآلاؤه لا يعدها العادون، ولا تحصيها دفاتر المحصين، لا تصورها براعة كاتب، ولا تحيط بها بلاغة خطيب وواعظ، نعمٌ كثيرة، نعمة التمسك بالإسلام، والاستقامة على الإيمان، ونعمة الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان في الأوطان، ونعمة الصحة والسلام في الأبدان، ونعمة الأرزاق العاجلة والآجلة ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34] وتحوط النعم كلها نعمة سلامة الملة والعقيدة، فاحمدوا الله تعالى واشكروه على ما حباكم من هذه النعم، فبالشكر تدوم النعم ﴿إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].

أيها المسلمون!

الحديث عن نعم الله تعالى وما ينبغي تجاهها، وما يتعامل به المسلم معها حديث تحبه النفوس المؤمنة، وتطمئن إليه الأفئدة الشاكرة، المتعلقة بالمُنعِم سبحانه، وهذا ديدن الكرماء، فإن الكريم إذا أكرمته ملكته، فكيف وإذا كان المكرم أكرم الأكرمين وأجود الأجودين سبحانه وتعالى؟!

أيها المسلمون!

إن من أجل النعم وأعظمها، بل وكثير من النعم تقوم عليها، وتؤدى من خلالها، نعمة الأمن والأمان في الدور والأوطان والهدوء والاستقرار، هذه النعمة لا يعرف قيمتها وأهميتها وعظم شأنها إلا من ذاق مرارة فقدانها، هذه النعمة العظيمة نوه البارئ بشأنها في آيات كثيرة في مواضع متعددة من كتابه الكريم، حيث جعلها سبحانه مطلب أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35] فقد ربط إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الدعاء بين طلب الأمن والتوحيد، وأشار إليه سبحانه في آيات مشابهة عند امتنانه على أهل مكة فقال: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۞الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4] ولعظمة هذه النعمة فقد جعلها الله تعالى صفة دائمة لبيته الحرام فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67] وقال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 57].

أيها المسلمون!

لا شك أنه بالأمن تستقر الحياة، ويأمن الناس على حياتهم، ويستقيم معاشهم، ويتوجهون إلى العلم والعمل، والتحصيل والإنتاج في سائر نواحي الحياة، ويشتغل الناس في البناء والتنمية، ويعبدون الله تعالى حق عبادته.

وفي ظل الأمن يطيب طعم الطعام، وتظهر حلاوة المذاق، وتستقر الحقوق وتؤدى إلى أهلها.

في ظل الأمن يقر الساكن في بيته ويرتاح مع أهله وأولاده، وينام مرتاح البال مطمئن الضمير.

لذلك كله وغيره جعل الإسلام الأمن من أهم المطالب التي يسعى إليها، وجعله غاية عظمى وهدفًا أسمى، لا يجوز بأي وسيلة من الوسائل خدشه، فضلًا عن التعرض له وزعزعته، وتوعد المتعرضين له بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون!

إن الأذية الفردية في دين الله تعالى محرمة تحريمًا عظيمًا، فما بالكم إذا كانت تلكم الأذية على مستوى الجماعة والدولة، فإذا كان من يقتل مسلمًا قال فيه المولى سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] ومن يقتل معاهدًا من غير المسلمين قال فيه الرسول ﷺ – فيما رواه البخاري وغيره- «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة».

هذا على المستوى الفردي فما بالكم بمستوى الجماعة والدولة ؟ يقول تعالى عن بعض الناس ممن هذه صفته: ﴿إِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ۞ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 205 – 206].

أيها المسلمون!

وإن من تمام النعمة السعي إلى استمرارها واستقرارها، وذلكم بشكر الله تعالى عليها، والقيام بحقوقه حق القيام، واستعمال نعمه في طاعته، واجتناب نواهيه، فبالشكر تدوم النعم ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

أيها المسلمون!

وإن مما ينبغي أن تلهج الألسنة فيه بالشكر: ما أتمه علينا من هذه النعمة في هذه البلاد المباركة التي حباها الله سبحانه وتعالى بما فقد في غيرها، فلقد كانت هذه البلاد مسرحًا للفتن والمشكلات حتى منّ الله سبحانه وتعالى على أهلها بظهور دعوة التوحيد على يد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ‏:‏ تعالى، وبقيام الحكم بشريعة الله على أيدي القادة من آل سعود، أيدهم الله بتوفيقه، منذ تعاهد الإمام محمد بن سعود ‏:‏ مع الإمام محمد بن عبد الوهاب ‏:‏، حتى أصبحت هذه البلاد، ولا تزال، مضرب المثل في الأمن والاستقرار مما لم تظفر أمة من الأمم التي تملك السلاح والقوة المادية، ولن تزال هذه البلاد بحول الله بخير وأمان ما دامت متمسكة بعقيدة التوحيد ومحكمة لشريعته، ومهما عبثت الأيدي العابثة أو حالت دون ذلك، فلن يؤثر بإذن الله على سعي قادتها، وفقهم الله للخير، لصد كل عابث ومخرب.

أسأل الله تعالى أن يوفقهم، ويسدد على درب الخير خطاهم، وأن يديم علينا نعمه الظاهرة والباطنة، وأن يرد كيد الكائدين وعدوان المعتدين، إنه سميع قريب مجيب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

أيها المسلمون!

إن ما حدث في غضون هذا الأسبوع المنصرم من تفجير في مدينة الرياض، نبأ مؤلم، وجريمة نكراء، وفتنة عمياء ، تشمئز منها النفوس المؤمنة، وتتكدر معها المعيشة المطمئنة، وتأباها الطباع الكريمة، فضلًا عن تعاليم الشرع المطهر.

يتجلى فيه إثم وعدوان، وظلم وفساد، وجبن وخيانة، وترويع للمؤمنين والمستأمنين، له آثار ومفاسد عظيمة على الأفراد والمجتمع في العاجل والآجل.

أيها المسلمون!

إن مثل هذه الجريمة تذكر المسلمين من مواطنين ومقيمين بأن عليهم واجبًا عظيمًا تجاه بلدهم ومجتمعهم، فمن أوجب الواجبات أن يزيد هذا الحادث من ترابط المجتمع مع قيادته وولاة أمره، والذي عرف به هذه المجتمع بفضل الله تعالى أكثر من قرنين من الزمان بأمنه واستقراره واطمئنانه، والذي لا يعرف مثل هذه الجرائم، ويستنكرها أشد الاستنكار.

أيها المسلمون!

كونوا يدًا واحدة لكل أمور الخير، وتعاونوا عليها وعلى كشف كل يد مريبة تريد الإخلال بهذا الأمن وبذاك التماسك: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ﴾ [المائدة : 2]. ثم إن مثل هذا التعاون من أفضل أبواب الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سمة هذه الأمة، ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾ [آل عمران: 110].
إن كل مسلم على ثغر، فالله الله أن يؤتى دينه وعرضه ووطنه من ثغره.

أيها المسلمون!

إذا كانت أجهزة الأمن الرسمية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن البحث والكشف عن المجرمين، فالمواطن والمقيم مسؤول كذلك، وأول واجبات هذه المسؤولية التعاون مع الأجهزة الساهرة على راحة وأمن وطمأنينة الجميع، فبهذا الشعور الإيماني وبهذه المسؤولية المقرونة بالإخلاص والدعاء، يستمر الحفاظ على الأمن والرخاء والطمأنينة، وتكشف الأيدي العابثة والحاقدة فتنال جزاءها بإذن الله، نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ثم صلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه حيث قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.