home-icon
الأثر الإيماني للقرآن الكريم على الفرد والمجتمع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنَّ القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لهذه الأمة، أراد الله جلَّ وعلا أن يكون آخر كتاب ينزل من السماء، كما أراد سبحانه للإسلام أن يكون خاتم الأديان، ولمحمد ﷺ أن يكون خاتم المرسلين.

فبالإسلام والقرآن ورسالة محمد ﷺ كمُل الدين وتـمَّت النعمة على الأمة والبشرية، وأصبح الطريق إلى الله تعالى لا يوصل إليه إلَّا من هذا الطريق، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۞ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 57 – 58].

وقال رسول الله ﷺ: «ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».

ومع أنَّ العرب كانوا هم أهل الفصاحة والبلاغة نزل القرآن يتحدَّاهم جميعًا، إنسهم وجنَّهم، أن يأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

أثر القرآن في شرح الصدور للإيمان:

لقد ظلَّ القرآن الكريم –بما أودع الله جل وعلا فيه من تأثير عظيم في النفوس–يخترق قلوبًا مملوءة بالكفر والضلال، فما زال يؤثر فيها حتى قاد أصحابها إلى الهدى والإيمان.

فمن ذلك ما يحكيه جبير بن مطعم رضي الله عنه عن نفسه –وكان قد تأخَّر إسلامه إلى ما بين الحديبية والفتح– يقول: قدمت على النبي ﷺ المدينة «في وفد أسارى بدر»، وسمعته يقرأ في المغرب بـ«الطور»، فلمَّا بلغ الآية: ﴿ أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ۞ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ۞ أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ [الطور: 35 – 37] كاد قلبي يطير. وفي رواية: «كان ذلك أوَّل ما دخل الإيمان في قلبي».

كما جاء في السيرة قصَّة النجاشي وتأثره وقساوسته بما تلاه عليهم جعفر بن أبي طالب من القرآن، حتى أخضلوا لحاهم.

وفي هذا وأمثاله قال ﷻ: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 83].

أثره على صناديد الكفر ولو لم يسلموا:

ومن قصص السيرة المشهورة أيضًا التي تدل على الأثر العظيم للقرآن في النفوس –حتى ولو لم يسلم المتأثر وغلبت عليه شقوته-:

قصة عتبة بن ربيعة، عندما اختارته قريش ليكلم النبي ﷺ، فجاء وكلَّم النبي ﷺ كثيرًا، وهو مُنصت له، فلما فرغ قال: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال:«أنصت»، فقرأ عليه مطلع سورة «فصلت» حتى بلغ قوله تعالى:﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: 13] ، فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، فلمَّا رجع إلى قومه قال بعضهم: نُقسم، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به! فلما سألوه: ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصيبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر عليهم، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

ولهذا كان المشركون يخشون على أبنائهم أن يتأثروا به حين يسمعونه من المسلمين، كما في صحيح البخاري في قصَّة أبي بكر رضي الله عنه لما جعل ابن الدغنة جواره له، فقبلت قريش لكن قالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا في ذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك لأبي بكر، فمكث فترة كذلك، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه –وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن– فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة يشتكون أبا بكر إليه، ويقولون إنَّا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه. وصدق الله ﷻ في ذمِّ هؤلاء –وأمثالهم وكل من لم يقبل هدى القرآن– بأنَّ قلوبهم قد أقفل عليها فلا ينفذ إليها هدى، قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

أثره على الجنِّ والملائكة:

وفي أثر القرآن الكريم على الجنِّ: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ۞ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا﴾ [الجن: 1-2].
بل إنَّهم من شدَّة تأثرهم به رجعوا إلى قومهم منذرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ۞ قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ۞ يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأحقاف: 29 – 31].

أثر القرآن على الملائكة:

أخرج البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير أنه بينما كان يقرأ سورة البقرة من اللَّيل، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلمَّا اجتروا –يعني ولده حتى لا تطأه الفرس– رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدَّث النَّبي ﷺ فقال له: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعتُ رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى أراها، فقال النبي ﷺ: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو أنك قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم». وفي صحيح مسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين «الشطن: الحبل الطويل المضطرب»، وإنما ربطها بشطنين لقوتها وشدتها، فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى الرسول ﷺ، فذكر له ذلك، فقال ﷺ: «تلك السكينة تنزلت للقرآن».

أثر القرآن الكريم في التوبة:

من أهمِّ آثار القرآن الظاهرة على النفوس المؤمنة: وعظ القلوب وجذبها إلى التوبة والإنابة، فالذي يتدبر القرآن ويتأثر به يُرى عليه أثر ذلك إقبالًا على الخير، وبُعدًا عن الشرِّ، ومن أعجب القصص كذلك في تأثير القرآن الإيماني على القلوب: قصة الفضيل بن عياض العالم العابد، فقد حكى الذهبي في كتابه: «سير أعلام النبلاء» قصة توبته، متأثرًا بالقرآن، فقال: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرجس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]، فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة (أي مسافرون) فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلَّا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.

أثر القرآن في تحقيق الأمن والاطمئنان:

لقد بيَّن القرآن الكريم ما يحدثه الإيمان والقرآن من أمن وطمأنينة في نفوس المؤمنين، ومن ثَمَّ تشيع هذه الروح في المجتمع بقدر تأثر أفراده بالقرآن، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] ، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

وقال الله جل وعلا: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].

ففي القرآن الكريم طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ في نفس الإنسان، يهز وجدانه، ويرهف أحاسيسه، ويصقل روحه، ويوقظ مداركه، ويجلي بصيرته، فإذا بالإنسان بعد أن يتعرض لتأثير القرآن يصبح إنسانًا جديدًا كأنه خُلق خلقًا جديدًا.

وتتحقق للمؤمن سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها وهو يقرأ القرآن ويتدبر ما فيه من صفات الله العليا؛ لأن إيمانه الصادق بالله يمده بالأمل والرجاء في عون الله وحفظه.

فالإيمان هو الذي يقودنا إلى الأمان والطمأنينة والسعادة، ومن أعظم السبل لتقوية هذا الإيمان وجني ثماره الإقبال على القرآن، تلاوةً وتدبرًا وحفظًا. ومن هنا نعلم أهمية الدور الكبير للقائمين على تحفيظ هذا الكتاب العظيم وتعليمه للناس، وأنهم إنما يأخذون بأيديهم إلى صلاحهم وسعادتهم، ومن ثَمَّ صلاح المجتمع وتقليل الشرور والفساد، وتحقيق الأمن والأمان، فضلًا على سعادة الآخرة برضوان المولى جل وعلا والفوز بجنته.
فسدَّد الله خُطى القائمين على هذا الأمر الكريم العظيم، ووفق الله المعلمين والمتعلمين، إنَّه نعم المولى ونعم النصير.