لا تجلس مجلسًا من المجالس الفكرية -وبخاصة عندما يكون الحديث عن حوادث كبرى- إلا وتجد التسابق إلى المشاركة في الكلام، كل سيدلي بدلوه، وسيبدى رأيه بكل حماسة ومحاولة وإقناع، وقد ينتقل هذا الطرح إلى منتدًى في النت، أو مقال في الصحافة الورقية، أو الإلكترونية إن لم يتجاوز أكثر من ذلك. ويشتد هذا الأمر عندما تكون الأحداث ساخنة كأحداث «الربيع العربي».
وهذا الحديث بحدِّ ذاته ليس موضوع مدح أو قدح، بقدر ما يكون ظاهرة من الظواهر تستحق التأمل والنظر.
هذه الوضعية تُحدث تساؤلًا عميقًا يحتاج إلى عمق في الإجابة لا من منظور شخصي أو رؤية ذاتية فحسب.
هذا التساؤل يقول: في كل هذه الأحداث الذي يبني عليها كثيرون آراءهم ومواقفهم: ما مصدريتهم في التلقي للمعلومة، أو للحيثيات الممهدة للرأي، أو مصادر جمع القرائن والأدلة؟! ومن ثَمّ تكوين موقف يحسب عليهم ويحسبون عليه.
أحسب أن الإجابة عن هذا التساؤل عن معرفة المصدرية للتلقي هي بداية الاتجاه السليم، وهي المحددة للمسار الموصل للنتيجة المتوخاة، كما أن الإجابة ستختصر كثيرًا من الجهود، والأوقات، والتفكير، وتُخلص من التبعية المطلقة للغير، ومن هنا تكتسب معرفة المصدرية تلك الأهمية الكبرى وبخاصة من روَّاد المعرفة وأهل الفكر والثقافة، والرأي، والمتعاملين مع الكلمة وفعاليتها.
خذ مثلًا -من التاريخ العباسي- ما الذي جعل بعض خلفاء بني العباس يتأثرون في مسائل تخالف أحيانًا صريح القرآن الكريم مع قربهم من العهد النبوي الذي لم يمض عليه أكثر من قرن وفي وقت يشتغل علماؤه في تأسيس العلوم الشرعية مع كثرة العلماء وفي بغداد خاصة؟
إنَّ مصدر التلقي الوافد من الفكر الفلسفي اليوناني وغيره، وتلقي غثه وسمينه، وتفعيله جميعه هو المؤثر في شيوع الفكر المخالف.
ومثال من الواقع المعاصر: ما الذي جعل بعض أبنائنا يتأثرون بفكر العنف العملي، وفكر التكفير العقدي، فأثَّر في مسيرة حياتهم وضحَّوْا بعقولهم وقدراتهم وأجسامهم؟ لا شكَّ أنَّ الأساس هو مصدر التلقي الذي يصدِّر هذا الفكر بفهم سقيم، أو بعداوة متقصدة للإسلام وأهله.
ومثال آخر: تجد بين وقت وآخر ظاهرة سلوكية مخالفة لأعراف المجتمع وتقاليده، بل أحيانًا مخالفة لدينه ومعتقده وأخلاقه، كظاهرة التعامل مع السحرة وتعاطي السحر، وعندما تتأمل كيف نشأت هذه الظاهرة في مثل مجتمع يحاربها في أصلها، تفاجأ بأنَّ المتعاملين معها تلقوا الفكرة من مصدر دخيل؟ ومن هنا ألج إلى الموضوع الذي أبدي فيه هذه الوجهة لعلَّها تصب في وادي العطاء المتحرك ليحرك ساكنًا أحسب أن إيجابيَّتَه في حراكه.
هذا «الربيع العربي» -كما يُسمَّى- ما مصدرية الاسم؟ وهل له دلالة؟ وهل هو ربيع؟ مجرد تساؤل.
والأهم: في الحقائق، فكل المهتمين يتابعون أحداثه، لكن لا أظنُّ أنَّ أحدًا يخالف -كما ناقشت كثيرين- في أن مصدر التلقي الأساس للأحداث، وتوجيهها، وصياغتها وبناء الآراء والمواقف عليها، والتحكم فيما ينقل منها، هو: الإعلام بمختلف قنواته، وبالأخص القنوات الفضائية الإخبارية.
والإعلام -مصدر لا يجوز إنكاره- ولا يجوز الاستهانة به، ولا يجوز التقليل من تأثيره سلبًا وإيجابًا، ولا يجوز إغماض العينين عما يبثه، ولا صم الأذنين عما يلقيه، ولا يجوز استغفال المتعاملين معه، تلك حقيقة لا تُنكر، ومن ينكر ذلك ينكر واقعه.
ومن الإعلام: الجوَّال الشخصي لتمتعه بخاصية من خصائص الإعلام المرئي، لكن: هل يجوز أن يكون الإعلام كل شيء في مصدرية المعلومة، وفي التحليل لها، وفي صياغة الكلمة، وتوجيهها وتحديد المواقف والحماسة لها؟ وإذا كان هذا واقعًا فالسؤال: مَن الذي يصوغ المادة الإعلامية، ويسيِّر سياسة هذا الجهاز الإعلامي؟ وبمعنى آخر أكثر مباشرة: ألا يصبح مسيِّر القناة الإعلامية هو محدد التوجه، ومصوِّر المعلومة ومصدِّرها؟!
وبناء على هذا: ألا يمكن لأهل الرأي والفكر أن يبحثوا عن مصادر أخرى للتلقي؟ وهل في ثقافتنا ما يهدي إلى إمكانية تقويم ما يطرح وما يشاهد؟ هذه مجرد تساؤلات، أخلص إلى أنه يمكن بالتفكير أن يذكر ما يفيد في هذا الباب، مع الإيمان بما ذكر من فرضية الإعلام نفسه مصدرًا أساسيًّا لتلقي الأحداث المعاصرة من خلال ما يتمتع به.
ومن ذلك:
وبعد: فتلك سطور من مجموع التعامل مما يقع من أحداث من هنا وهناك، ولعلَّ ما مضى من الأشهر الماضية كفيل بأن يكون هناك شيء من الهدوء الذي يعطى آمالًا وتفاؤلًا في المستقبل، تقوم معطياته الحاضرة على قواعد سليمة، وأسس راسخة، في برامج فاعلة للإصلاح الحقيقي للأفراد والمجتمع والأوضاع.
أقول هذا للمؤسسات الفاعلة، ومراكز الأبحاث وما شابهها ممن حمل على عاتقه التوجيه وتحمس لذلك، كما هي دعوة لكل متابع ومهتمٍّ وللشباب خاصةً أن يُعمل فكره على أُسس علميَّة، لا أن يكون مجرد تابع للإعلام، وبالأخص الفضائيات، بما لها وما عليها، ولكن ليكن هذا الإعلام عاملًا من العوامل، قابلًا للتقويم والنظر وفق الموازين السليمة على منهج قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].
سدد الله الخطى.