الأرحـــام

«الإنسان مدني بطبعه» جملة ذات مدلول عملي كبير قالها العلامة الاجتماعي ابن خلدون في دراسة تأملية في جانب من حال الإنسان في هذه الحياة، وأصبحت قاعدة ينطلق منها علماء الاجتماع، وعلماء النفس وغيرهم، سواء في تقريرها، أو التفريع عليها برامج في التعامل مع بني جنسه سواء كانوا أقرباء، أو أصدقاء، أو غيرهم.

وعند التأمل في هذه الجملة نجدها حقيقة واقعة في سمات الإنسان، فالأصل فيه أنه اجتماعي يقيم علاقته في هذه الحياة مع الآخرين في ضوء دوائر تقرب منه أو تبعد، وبناء على ذلك لا يمكن أن يعيش الإنسان في هذه الحياة منفردًا عن غيره مهما أراد ذلك فله أقارب، وأصدقاء وجيران، وزملاء العمل والمهنة، ويتعامل مع الباعة والناس في المساجد والشوارع وغيرهم.

ومن هنا جاء تنظيم الإسلام لطبيعة هذه العلاقات منطلقة من أسس عقدية وأخلاقية تكمن في الصلة والعدل والمحبة والرحمة والإحسان.

وفي هذه الأسطر نقف مع دائرتين من دوائر العلاقات مع هذه الإنسان هما من أقرب الدوائر، وأعمقها صلة، وأكثرها وجودًا في الواقع، هما دائرة الأقارب، ودائرة الأصدقاء، ولأهمية هذه العلاقة الحميمية جاءت النصوص الشرعية بالحث على إقامة هذه العلاقات بمختلف مقرراتها، كما جاءت بالتحذير من القطيعة، فلنقرأ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]، وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، ولنقرأ قوله ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع»، وقوله ﷺ: «من سرة أن يبسط له في رزقة وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه».

بل جاءت النصوص بدرجة عليا في هذه الصلة، والتحذير من القطيعة حتى في حالة قطيعة الطرف الآخر، بل وفي حالة إساءته، يقول ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها».

هذا كله يبين أنَّ هذه العلاقة تختلف عن غيرها في ضرورة وجودها والعمل الجاد على عدم قطيعتها لأنها أقرب الدوائر للإنسان، ومن الخذلان أن يزعم أو يدعى مدعٍ أنه لا حاجة له بهم، فهذا قد انغرست سلبيات كبرى في نفسه منها تمكن الأنانية واستقلالية الذات وقيام علاقاته على المصلحة المادية البحتة.

ومن هنا نجد جملة من المظاهر الخطأ التي برزت في هذه المرحلة المعاصرة، ومنها:

تلك أمثلة لبعض المظاهر الخطأ في الصلة، والتي تستدعي النظر والتأمل لئلا نصل في وقت من الأوقات إلى ما هو أشد، ومع وجود هذه المظاهر يوجد مظاهر إيجابية قديمة وجديدة، وأذكر منها:

تلك أمثلة لبعض المظاهر الإيجابية، التي تحتاج إلى تفعيل وترتيب ونشر.

ولعلَّ تلك المظاهر السلبية تحتاج إلى علاج، والمظاهر الإيجابية تحتاج إلى تفعيل.
أقول: لعلَّ هذه وتلك تندمج في برنامج عمل يشترك فيه جميع الفاعلين في أسرهم، والذين يريدون الوصول إلى القمة في هذه الدنيا، وأن يسطر ذكرهم خالدًا في دنياهم، وعند الله ﷻ ، ويفوزوا ببركة العمر والرزق والذرية، ويمتد تواصلهم في أولادهم وأحفادهم، ويستمر عملهم الصالح.

ومن معالم هذا البرنامج ما يلي:

تلك فقرات في معالم إعادة الصلة للأرحام، ومفادها: إعادة قيمة التلاحم بين الأسرة كلها، إزالة الأحقاد والضغائن، شيوع المحبة والإخاء، التعاون على البر والتقوى، الاعتزاز بالأسرة، ومن ثَمَّ في الوطن عمومًا، الرزق المتواصل، بركة العمر، الأجر العظيم والثواب الجزيل، العفو والتسامح، سدُّ حاجة المحتاج وخلة العاجز.

وغير ذلك كثير، هكذا أراد منا ديننا، فهل نتغلب على نفوسنا الضعيفة ونرقى بها نحو المعالي، ونستعيذ بالله من شياطين الإنس والجن، هذا هو المؤمل والمرجو.

ومضة: الإخوة والأخوات لأب وأبناؤهم وبناتهم من أقرب الأرحام، وصلتهم من أعظم أبوب الصلة، وقطيعتهم عظيمة.

سدد الله الخطى.